
سورية بين نظريات الصفقة الكبرى وحقائق توازنات المصالح
منذ التحولات الدراماتيكية التي شهدتها سورية خلال السنوات الأخيرة، لم تتوقف الأسئلة حول طبيعة التفاهمات الدولية والإقليمية التي أحاطت بالمشهد السوري. فكلما وقع حدث مفصلي، عاد الجدل حول ما إذا كان نتيجة تطورات داخلية طبيعية فرضتها موازين القوى، أم ثمرة تفاهمات سرية عقدتها أجهزة الاستخبارات والدول المتنافسة خلف الأبواب المغلقة.
تنبع أهمية هذه الأسئلة من أن سورية لم تكن يومًا ساحة صراع محلية فحسب، بل شكلت منذ عام 2011 نقطة تقاطع لمصالح قوى دولية وإقليمية كبرى. الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية والعربية، امتلكت جميعها مصالح مباشرة أو غير مباشرة داخل الجغرافيا السورية، الأمر الذي جعل أي تحول كبير في المشهد السوري يبدو للكثيرين وكأنه نتاج صفقة دولية شاملة.
غير أن المشكلة الأساسية في هذا النوع من التفسيرات تكمن في أنها تفترض غالبًا وجود غرفة عمليات عالمية واحدة قادرة على تنسيق مصالح متناقضة بين أطراف تتصارع أصلًا في ملفات أخرى. فالوقائع الموثقة خلال العقد الماضي تظهر أن الخلافات بين هذه القوى كانت حقيقية وعميقة، وأن كثيرًا من الأحداث السورية نتجت عن توازنات متغيرة ومصالح متقاطعة أكثر مما نتجت عن اتفاقات شاملة ومسبقة.
ومن أكثر الأسئلة إثارة للجدل: لماذا برزت الفصائل الإسلامية المنظمة أكثر من غيرها في مراحل معينة من الصراع السوري؟
الجواب الأقرب إلى الواقع لا يرتبط بالضرورة برغبة دولية في فرض نموذج أيديولوجي محدد، بل بطبيعة البنية التنظيمية لهذه الجماعات. فالتنظيمات ذات القيادة المركزية والانضباط العقائدي تمتلك قدرة أعلى على اتخاذ القرار والحفاظ على التماسك مقارنة بالفصائل الواسعة والمتعددة المرجعيات. وقد أظهرت التجربة السورية أن الانقسامات المستمرة داخل فصائل المعارضة المسلحة أضعفت قدرتها على العمل الموحد، في حين استطاعت التنظيمات الأكثر مركزية المحافظة على تماسكها لفترات أطول.
أما فيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، فإن القراءة الواقعية للسياسة الإسرائيلية تشير إلى أن تل أبيب لم تكن يومًا معنية بطبيعة الشعارات المرفوعة بقدر اهتمامها بمستوى التهديد الفعلي على حدودها. فالتجربة الإسرائيلية الطويلة في المنطقة أثبتت أن الدول والجماعات تُقيَّم وفق سلوكها العملي وقدراتها العسكرية الفعلية، لا وفق خطابها الإعلامي فقط. ولذلك فإن المعيار الحاسم بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي ظل مرتبطًا بالأمن والردع والاستقرار الحدودي أكثر من ارتباطه بالشعارات الأيديولوجية.
أما روسيا، فإن موقفها لا يمكن فهمه خارج إطار حساباتها الاستراتيجية الأوسع. فموسكو تدخلت في سورية عام 2015 لحماية مصالحها العسكرية والجيوسياسية وضمان استمرار نفوذها في شرق المتوسط. لكن السياسة الروسية، كما هي حال سياسات القوى الكبرى عمومًا، تقوم على البراغماتية وليس على الولاء للأشخاص. ومن ثم فإن أي تغير في موقفها المحتمل تجاه الحلفاء يخضع في النهاية لحسابات الكلفة والعائد، ومدى قدرة هؤلاء الحلفاء على حماية المصالح الروسية نفسها.
الأمر ذاته ينطبق على إيران. فمنذ عقود بنت طهران شبكة نفوذ إقليمية واسعة، وكانت سورية تمثل إحدى حلقاتها الرئيسية. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن الدول لا تتصرف وفق منطق العواطف أو التحالفات الأبدية، بل وفق منطق المصالح وإدارة الخسائر. وعندما تتغير موازين القوى، تعمد الدول إلى إعادة تموضعها ومحاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكاسبها الاستراتيجية.
وفي ما يتعلق بالدور البريطاني أو الأوروبي أو القطري أو التركي أو غيرها من القوى المنخرطة في الملف السوري، فإن تفسير نفوذ أي طرف بوصفه نتيجة مؤامرة منفردة يبقى تفسيرًا قاصرًا. فالحقيقة الأقرب إلى الواقع أن الساحة السورية تحولت إلى نقطة تلاقٍ لمصالح متعددة، بعضها متنافس وبعضها متعاون بصورة مؤقتة. ولذلك فإن حجم التأثير الذي تمتلكه أي دولة يرتبط بقدرتها على الاستثمار السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في اللحظة المناسبة أكثر مما يرتبط بوجود تفويض حصري أو سيطرة مطلقة على المشهد.
إن الخطر الحقيقي على سورية لا يكمن فقط في تدخل القوى الخارجية، بل في استمرار الانقسام الداخلي الذي يجعل البلاد عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية. فكلما ضعفت المؤسسات الوطنية الجامعة، ازداد هامش تأثير اللاعبين الخارجيين، وكلما تعزز التوافق الوطني، تراجعت قدرة الآخرين على فرض أجنداتهم.
لذلك فإن النقاش الأهم ليس البحث عن "الجائزة" التي حصلت عليها هذه الدولة أو تلك، بل البحث عن الكيفية التي يستطيع بها السوريون إعادة بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والطائفية والسياسية. فالتجارب التاريخية تثبت أن الدول لا تُحمى بالمراهنة على تناقضات الخارج، وإنما ببناء عقد وطني داخلي قادر على إنتاج الاستقرار والشرعية والمؤسسات.
وفي النهاية، تبقى الأسئلة المشروعة جزءًا أساسيًا من فهم السياسة، لكن الإجابات الدقيقة تتطلب التمييز بين ما هو موثق وما هو افتراض، وبين ما تثبته الوقائع وما تروجه نظريات المؤامرة. فالمشهد السوري أعقد من أن يُختزل في مؤامرة واحدة، وأبسط من أن يُفسر بمجرد الصدفة. إنه، في جوهره، نتاج تفاعل مستمر بين مصالح الدول وصراعات القوى وأخطاء الفاعلين المحليين، وهي معادلة ما زالت ترسم مستقبل سورية حتى اليوم.