
سورية بين تضخّم الأنا السياسية وانكسار فكرة المواطنة:
في لحظات الانهيار الكبرى لا يعود السؤال الحقيقي: من حكم؟ ومن أخطأ؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف تشكّلت هذه الذهنية التي جعلت المجتمع كله يعيش في حالة صراع دائم مع نفسه؟
في سوريا، كما في كثير من البلدان التي مرّت بتجارب قاسية من الاستبداد والحروب والانقطاع السياسي، لم تتضرر البنية المادية فقط، بل تشوّهت أيضاً طريقة التفكير في السلطة، وفي النجاح، وفي الآخر.
تدريجياً، لم تعد السياسة فعلاً عاماً، بل تحولت إلى رغبة دفينة لدى كثيرين في أن يكونوا في موقع القيادة أو النفوذ أو التأثير، حتى عندما لا تتوفر شروط ذلك. ومع هذا الميل، بدأ يظهر نمط اجتماعي أوسع: تضخّم الأنا الفردية والجماعية في آن واحد.
في هذا المناخ، تصبح المقارنة بالآخرين مشحونة، والنجاح محل حسد أو تشكيك، لا محل قراءة موضوعية أو تقدير للكفاءة. ويغدو التفوق مفسَّراً بوصفه امتيازاً غير عادل، لا نتيجة عمل أو تراكم.
ومع الوقت، تتراجع فكرة بسيطة لكنها جوهرية:
أن أي دولة، مهما كان حجمها، لا يمكن أن تكون مكوّنة من أغلبية قيادية. فالدول تُبنى على توزيع الأدوار، لا على سباق دائم نحو القمة.
لكن في المجتمعات المضطربة، يحدث انزياح خطير: يتحول “الطموح” من رغبة طبيعية في التقدم إلى حالة صراع رمزي على المكانة، ويتحول “الاختلاف” إلى شعور ضمني بالتفوق أو النقص، بدل أن يكون تنوعاً صحياً.
اللغة كهوية بديلة
ومن أكثر مظاهر هذا الاضطراب حساسية، استخدام الرموز الثقافية المحلية – وعلى رأسها اللهجات – كأدوات لإثبات الهوية أو النفوذ الاجتماعي.
فبدلاً من أن تكون اللهجات تنوعاً غنياً داخل النسيج الوطني، تتحول أحياناً إلى علامات انتماء حاد، أو إلى وسيلة غير مباشرة للفرز الاجتماعي.
هذا لا يخص منطقة دون أخرى، بل يظهر في أكثر من سياق، كلما شعر الناس أن الدولة لم تعد هي الإطار الجامع الذي يساوي بينهم، فبدأوا يبحثون عن بدائل رمزية للانتماء.
وهم الاستحقاق الجماعي
من أخطر التحولات النفسية في المجتمعات المنقسمة هو الاعتقاد الضمني بأن وصول أفراد من مكوّن معين إلى السلطة أو النفوذ يعني “تمثيلاً كاملاً” لذلك المكوّن.
هنا تبدأ مشكلة مزدوجة:
- من جهة، يتحول النجاح الفردي إلى ادعاء جماعي
- ومن جهة أخرى، يتحول الفشل أو الظلم إلى تعميم جماعي مضاد
وهكذا لا تعود السياسة إدارة دولة، بل تتحول إلى مرآة مشوهة للهويات المتصارعة.
جذور الأزمة
هذه الذهنيات لم تولد فجأة، بل تراكمت عبر عوامل متداخلة:
- عقود من المركزية السياسية وضعف المشاركة الحقيقية
- تراجع المؤسسات الوسيطة (الأحزاب، النقابات، المجتمع المدني)
- الحروب والانهيارات الاقتصادية التي أعادت تعريف الأولويات نحو البقاء لا البناء
- وغياب بيئة مستقرة تسمح بتكوين وعي مدني متوازن
الخطر الحقيقي
الخطر الأكبر في هذا النمط من التفكير ليس في الخلافات السياسية نفسها، بل في أنه يُفقد المجتمع قدرته على رؤية نفسه كوحدة قابلة للتعايش.
فعندما تتحول الانتماءات الجزئية إلى أدوات تفوق أو إقصاء، تتآكل فكرة المواطنة، ويصبح كل فرد أقرب إلى “ممثل لهوية” منه إلى “مواطن في دولة”.
ومع استمرار هذا المسار، تصبح الدولة نفسها فكرة ضعيفة، قابلة للتآكل من الداخل حتى دون انهيار رسمي.
كيف يمكن كسر هذه الدائرة؟
الخروج من هذه الحلقة لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء بطيئة لثلاثة مستويات:
- الوعي الفردي: فصل قيمة الإنسان عن انتمائه، وربطها بكفاءته وسلوكه
- الخطاب العام: تقليل منطق التحريض الرمزي لصالح لغة نقد عقلاني
- الدولة كمؤسسة: إعادة الاعتبار لفكرة أن الدولة ليست غلبة، بل عقد تنظيمي جامع للجميع
خاتمة
ليست مأساة المجتمعات في اختلافها، بل في لحظة تتحول فيها الاختلافات إلى أدوات صراع دائم، وتتحول فيها الذات إلى معيار مطلق، والآخر إلى تهديد دائم.
وعند هذه النقطة، لا يعود التحدي سياسياً فقط، بل يصبح تحدياً ثقافياً عميقاً:
هل يمكن لمجتمع أن يعيد تعريف نفسه خارج منطق التفوق والانتقام والانقسام، نحو منطق المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل؟
هذا هو السؤال الذي يسبق كل الأسئلة الأخرى.