
سورية بين تسليمٍ مُدار وانطفاء الدولة: قراءة في لحظة ما بعد 8/12/2024
فجر 8/12/2024 لم يكن في نظري لحظة سياسية عابرة، ولا مجرد انتقال في مواقع السلطة، بل كان لحظة انكشاف كبرى لمسار طويل من التفكيك الصامت، الذي لم يبدأ في ذلك اليوم ولن يتوقف عنده. ما جرى لم يكن “تغييرًا” بالمعنى التقليدي الذي تفهمه الشعوب حين تتبدل الحكومات، بل كان أقرب إلى تسليمٍ واستلامٍ داخل مسرح كبير، تتبدل فيه الوجوه بينما تبقى الفكرة الكبرى واحدة: إعادة تشكيل سوريا، أو إن شئت الدقة، إعادة تفريغها من مركزيتها التاريخية ودورها الذي عرفته المنطقة لعقود.
على امتداد سنة ونصف مما سُمّي بـ”الثورة الإسلامية السورية”، لم تكن المؤشرات الاجتماعية بحاجة إلى كثير من التأويل. الفقر لم يتراجع، بل تمدد. الهشاشة لم تُعالج، بل تعمقت. الشقاء لم يكن حالة فردية، بل صار بنية عامة. وفي الوقت نفسه، كان هناك تحول أخطر من الاقتصاد ذاته: تحول في الوعي الجمعي، حيث ارتفع منسوب خطاب الكراهية، وتراجع العقل النقدي لصالح منطق الغرائز، وتقدمت ثقافة الغلبة على حساب فكرة الدولة.
في مثل هذا المناخ، لا يعود السؤال عن “من يحكم” هو السؤال الأهم، بل يصبح السؤال الحقيقي: ما طبيعة هذا الحكم؟ وما وظيفته التاريخية في لحظة الانكسار هذه؟ وهنا أصل إلى قناعة شخصية لا أطرحها كادعاء سياسي بارد، بل كقراءة قاسية للواقع: إن دور العهد القائم لا يخرج – في جوهره – عن كونه مرحلة إدارة انتقالية لواقع مأزوم، لا يملك أدوات إنتاج حياة مستقرة بقدر ما يملك أدوات ضبط إيقاع الانهيار.
هو دور أشبه – إذا جاز استخدام استعارة صادمة – بما يشبه “القتل الرحيم” في المفهوم الطبي: لا باعتبارها فعلاً أخلاقياً هنا، بل باعتبارها صورة لوظيفة تُمارَس على جسد يحتضر، عبر إبقائه في حالة تعليق طويلة، لا هو بالحياة الكاملة ولا بالموت النهائي. حقنٌ متتابعة من الإجراءات، لا تُنعش المريض ولا تقتله، بل تُبقيه في منطقة رمادية بين الاثنين.
وأنا أكتب هذا، لا أبحث عن تبرير ولا عن خصومة مع أحد. لا أضع نفسي في موقع الدفاع عن سلطة ولا في موقع الانتماء إلى معارضة. ما أفعله هو توصيف شعور متراكم بأن ما يجري يتجاوز السياسة اليومية، ويدخل في هندسة أعمق: هندسة تفكيك بلد كان، بكل تناقضاته، دولة مركزية ذات وزن، ثم تحوّل تدريجياً إلى مساحة مُنهكة، تتآكل فيها الدولة لصالح الفوضى، ويتآكل فيها المجتمع لصالح الانقسام.
قد يبدو هذا الكلام قاسياً، لكنه ليس انفعالاً لحظياً. هو نتيجة مراقبة طويلة لمسار يتكرر فيه المشهد ذاته: ازدياد الفقر بدل معالجته، ازدياد الانقسام بدل رأبه، وتضخم الشعور العام بأن المستقبل ليس أفقاً مفتوحاً بل مساراً مغلقاً يُدار على وقع الضرورة لا على أساس الرؤية.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ما يحدث على الأرض، بل ما يحدث في الوعي: حين تبدأ المجتمعات بالتصالح مع فكرة الانهيار باعتبارها قدراً، وحين يُستبدل سؤال “كيف نبني الدولة؟” بسؤال “كيف ندير البقاء داخلها؟”.
هنا تحديداً، تصبح السياسة إدارة لمرحلة طويلة من التعليق، لا مشروع خروج منها. وهنا تحديداً، يصبح الشعور بأننا أمام “نهاية مسار” أكثر حضوراً من الشعور بأننا أمام “بداية جديدة”.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً، حتى لو بدا الجواب في لحظته مغلقاً: هل ما نعيشه هو بالفعل تفكيك نهائي لدولة، أم مرحلة قاسية من إعادة تشكلها تحت رماد الانهيار؟
أنا أميل إلى الخيار الأول في لحظة الكتابة هذه، لكنني أعرف أن التاريخ لا يُكتب من لحظة واحدة، حتى لو بدت لحظة حاسمة.