--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية في قلب العاصفة: سيادة تُبنى بالعقل لا بردّ الفعل

Salah Kirata • ٢٢‏/٣‏/٢٠٢٦

14803.jpg

 سورية في قلب العاصفة: سيادة تُبنى بالعقل لا بردّ الفعل.

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة التعقيد، حيث تتقاطع نيرانُ الصراع بين قوى كبرى، وتتحوّل الأجواء إلى مسرحٍ مفتوحٍ للاختراق، يجد الرئيس أحمد الشرع نفسه أمام امتحانٍ استثنائي: كيف تُدار دولةٌ تحت ضغط الحرب، وهي في الوقت ذاته تبحث عن استعادة شكلها المؤسسي وشرعيتها السياسية؟

المعادلة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على البقاء، وعلى إعادة تعريف نفسها في أصعب الظروف.

أول ما يجب تثبيته في هذا السياق هو أن السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل منظومة تُمارس. في ظل الاختراقات المتكررة للأجواء السورية، والاعتداءات التي طالت الجنوب، والتوظيف المتبادل للأراضي السورية من قبل أطراف الصراع، تصبح السيادة فعلًا ذكيًا لا مجرد رد فعل غاضب. الرد الذكي هنا يعني توثيق الاعتداء، ورفع كلفته سياسيًا وقانونيًا، وتحويله إلى قضية دولية، بدل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة.

في مثل هذه اللحظات، يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو الوقوع في فخ “حرب الآخرين”. فالصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، يهدف في جزء منه إلى تحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وهنا، لا بد من التمسك بخطّ دقيق: لا اصطفاف كامل، ولا عداء مطلق، بل مسافة استراتيجية تحفظ القرار الوطني. سوريا يجب أن تكون لاعبًا مستقلًا، لا ساحةً ولا تابعًا.

المشهد الميداني المعقد، من استخدام بعض الأطراف لمناطق داخل الأراضي السورية كنقاط عبور أو انطلاق، إلى الضغوط المتزايدة لدفع دمشق نحو مواقف معينة، يفرض على القيادة السورية أن تعيد تعريف مفهوم القوة داخل الدولة نفسها. فالقوة الحقيقية اليوم لا تكمن في السلاح وحده، بل في وحدة القرار، وفي قدرة الدولة على ضبط الفوضى الداخلية، وتوحيد أدواتها الأمنية والعسكرية تحت مظلة واحدة. لا دولة يمكن أن تقاوم الخارج وهي مفككة من الداخل.

وفي المقابل، فإن التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، سواء في الجنوب أو عبر اختراقات حدودية، يجب أن يُدار بعقلٍ باردٍ وحساباتٍ دقيقة. فإسرائيل، في هذا السياق، لا تختبر فقط الرد العسكري، بل تختبر قدرة الدولة السورية على التماسك واتخاذ القرار. والرد الحكيم لا يعني الصمت، بل يعني استخدام أدوات متعددة: سياسية، دبلوماسية، قانونية، وإعلامية، تُبقي القضية حاضرة دون الانجرار إلى مواجهة قد لا تكون سوريا مهيأة لها في هذه المرحلة.

أما العلاقة مع إيران وحزب الله، فهي واحدة من أكثر الملفات حساسية. لكن التعامل معها يجب أن ينطلق من مبدأ واحد: المصلحة السورية أولًا. لا قطيعة اندفاعية، ولا تحالف غير مشروط. بل إعادة تعريف العلاقة ضمن إطار السيادة الكاملة، بحيث لا تتحول سوريا إلى ساحة لأي طرف، ولا تُستنزف دفاعًا عن أجندات لا تتوافق مع مصالحها الوطنية.

وفي قلب كل ذلك، يبقى التحدي الأكبر داخليًا: بناء شرعية حقيقية في ظل غياب الأطر الدستورية الكاملة. وهنا، لا بد من الانتباه إلى أن الشرعية لا تُفرض بالقوة، بل تُكتسب بالمشاركة. توسيع دائرة القرار، إشراك القوى المجتمعية والسياسية، ووضع خريطة طريق واضحة لمرحلة انتقالية محددة زمنيًا، كلها خطوات ضرورية لتحويل “حكومة الأمر الواقع” إلى سلطة معترف بها وذات مصداقية.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، فهو جبهة صامتة لكنها حاسمة. فالدولة التي لا تمتلك اقتصادًا مستقرًا، لا تستطيع أن تصمد طويلًا في أي صراع. الحفاظ على ما تبقى من الموارد، منع الانهيار النقدي، جذب الدعم المشروط بإعادة الإعمار، واستخدام الاقتصاد كأداة تفاوض، كلها عناصر لا تقل أهمية عن أي معركة عسكرية.

في النهاية، يقف الرئيس أحمد الشرع أمام خيارين: إما أن يُستنزف في صراعات الآخرين، فيتحول إلى حلقة في سلسلة طويلة من الاستنزاف الإقليمي، أو أن يختار طريقًا أكثر صعوبة، لكنه أكثر استدامة: طريق إعادة بناء الدولة من داخلها، بهدوء، وبحسابات دقيقة، وبإدراك أن المعركة الحقيقية ليست في الرد على كل ضربة، بل في ضمان ألا تتحول سوريا إلى ساحة مفتوحة لكل ضربة.

ففي زمن الفوضى، لا تنتصر الدول بالصوت العالي، بل بالعقل الهادئ، وبالقدرة على الصمود، وبفنّ تجنّب المعارك الخاسرة قبل أن تبدأ.