--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية… حين يبهت لون الفسيفساء وتبدأ الحجارة بالسقوط

Salah Kirata • ٩‏/٥‏/٢٠٢٦

32017.jpg

سورية… حين يبهت لون الفسيفساء وتبدأ الحجارة بالسقوط

ليست المسألة اليوم جدلاً حول جماعة بعينها أو مكوّن اجتماعي محدد، بل هي قراءة أوسع لعلامات تبدّل عميق يصيب البنية التاريخية لسوريا والمشرق كله. فما يجري لا يبدو حدثاً عابراً في الهجرة أو التحولات الديموغرافية، بل مساراً طويل الأمد يعيد تشكيل صورة المنطقة التي عُرفت منذ قرون بأنها ملتقى للأديان والثقافات واللغات.

سوريا، في جوهرها التاريخي، لم تكن يوماً كتلة متجانسة. لقد نشأت كمساحة تفاعل كثيف بين المكونات البشرية، حيث لم يكن التنوع مجرد واقع اجتماعي، بل شرطاً من شروط استمرارها الحضاري. في أسواقها القديمة، وفي مدنها الممتدة من الساحل إلى الداخل، تشكّلت طبقات من الذاكرة المشتركة، جعلت من البلاد أقرب إلى لوحة مركبة، لا إلى لون واحد.

لكن هذه اللوحة، التي صمدت طويلاً أمام التحولات والإمبراطوريات والحروب، تبدو اليوم وكأنها تفقد بعض أجزائها تدريجياً، ليس عبر انكسار مفاجئ، بل عبر تآكل بطيء ومتراكم. إن هجرة مكونات تاريخية من نسيج البلاد، أياً كانت خلفياتها، لا تعني خسارة عددية فحسب، بل تعني أيضاً انحساراً في التنوع الذي شكّل أحد أهم مصادر القوة الناعمة والرمزية لسوريا.

منذ منتصف القرن الماضي، بدأت مؤشرات هذا التحول تظهر على نحو متدرج، غير أن العقود الأخيرة، وخاصة ما بعد سبعينيات القرن الماضي، ثم ما بعد 2011، حملت تسارعاً حاداً في هذا المسار. الحروب، والانقسامات، وانهيار الاستقرار الاجتماعي، دفعت قطاعات واسعة إلى البحث عن فضاءات أكثر أمناً، لكن الثمن كان باهظاً على مستوى التركيبة التاريخية للمجتمع.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تغير الأرقام السكانية، بل في ما يعنيه ذلك على المدى البعيد: فقدان التوازن الداخلي الذي حافظ على استمرارية هذه المنطقة رغم كل العواصف. حين يتقلص التنوع، تتراجع القدرة على إنتاج سردية جامعة، وتضعف المناعة الاجتماعية أمام الاستقطاب والتطرف وإعادة إنتاج الانقسام.

الأمر لا يتعلق بذاكرة طائفة أو جماعة، بل بذاكرة مكان كامل. فالمشرق الذي عرفته البشرية لم يكن يوماً فكرة سياسية فقط، بل كان مختبراً إنسانياً مفتوحاً، حيث تتجاور الهويات وتتقاطع دون أن تلغي بعضها بعضاً. وإذا ما استمر هذا التآكل، فإننا لا نخسر مكوناً من مكونات المجتمع فحسب، بل نخسر جزءاً من تعريف المنطقة لنفسها.

إن استمرار هذا المسار دون مراجعة حقيقية سيقود إلى نتائج تتجاوز الحدود المحلية. فحين تفقد سوريا جزءاً من تنوعها التاريخي، فإنها لا تتحول فقط إلى بلد أقل تعددية، بل إلى فضاء أقل قدرة على تمثيل ذاته كجسر حضاري بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر.

إن ما هو مطلوب اليوم ليس خطاباً عاطفياً، بل رؤية واعية تعيد الاعتبار لفكرة التعدد بوصفها شرط بقاء، لا مجرد إرث جميل من الماضي. فالدول التي تفقد تنوعها تدريجياً لا تخسر مكوناتها فقط، بل تخسر أيضاً قدرتها على تجديد نفسها.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس: من غادر ومن بقي؟ بل: أي سوريا ستبقى إذا استمر هذا المسار دون توقف؟ سوريا الضيقة الهويات، أم سوريا التي عُرفت يوماً بأنها مرآة مصغرة لتاريخ الإنسان في تنوعه وتعقيده؟