
سورية:
من هشاشة الداخل إلى تدويل الانفجار…
تشريح مسار أزمة تحولت إلى حرب:
ما جرى في سورية منذ عام 2011 لا يمكن اختزاله في سردية واحدة جاهزة، سواء كانت سردية “ثورة نقية” أو سردية “مؤامرة مكتملة”، فكلاهما، في صيغته المطلقة، يختزل تعقيداً تاريخياً شديد التشابك، ويُسقط من الحساب تراكماً طويلاً من العوامل التي صنعت لحظة الانفجار ثم جعلت السيطرة عليه مستحيلة تقريباً...
إلا أن الحقيقة الأعمق أن سورية لم تدخل في أزمة مفاجئة، بل كانت تقف فوق أرضية سياسية واجتماعية هشّة تشكلت عبر عقود من الانغلاق السياسي وضعف قنوات المشاركة وتآكل الثقة بين المجتمع والدولة، هذه البنية التراكمية لم تكن حدثاً بحد ذاتها، لكنها كانت البيئة الصامتة التي جعلت أي شرارة لاحقة قابلة للتحول إلى حريق واسع...
عندما جاءت لحظة درعا، لم تكن مجرد واقعة محلية عابرة في سياق إداري أو أمني، بل تحولت بسرعة إلى رمز سياسي متفجر، إذ لم يكن التحول هنا طبيعياً بالكامل، بل جرى تسريعه عبر تضخيم إعلامي مكثف ( التضليل والخداع الإعلامي الذي مارسته قنوات مثل الجزيرة) ، وإعادة إنتاج للواقعة داخل سردية عاطفية عالية الشحنة.( عاطف نجيب وقلع اظافر اطفال من درعا، مع دعوة وجهائها لارسال نسائهم إلى الفرع حتى يستبضع عناصره بهم) كل هذا جعل الحدث يتجاوز حجمه الحقيقي بكثير، في تلك اللحظة تحديداً، انتقلنا من :
- “واقعة قابلة للاحتواء”...
إلى:
- “قصة تأسيسية لانفجار مفتوح”...
هذا التحول السريع في طبيعة الحدث ترافق مع انتقال موازٍ في طبيعة الصراع نفسه، فمع توسع الاحتجاجات، لم يعد المشهد داخلياً صرفاً، بل بدأ يتجه تدريجياً نحو التدويل، ومع دخول الفاعلين الإقليميين والدوليين، لم تعد سورية مجرد ساحة أزمة داخلية، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى في المنطقة...
في هذا السياق، برزت مشاريع ومفاهيم كبرى مثل “إعادة هندسة الشرق الأوسط” و”الفوضى الخلاقة” كإطار تفسيري لمرحلة إقليمية مضطربة، حيث لم يعد الاستقرار هدفاً أو شرطاً ضرورياً في إدارة الصراعات، بل أحياناً جزءاً من إعادة توزيع النفوذ، ضمن هذا المناخ، أصبحت الأزمة السورية قابلة للاستخدام والتوظيف من أكثر من طرف، كل وفق حساباته ومصالحه...
ولا يمكن فهم مسار الأزمة دون التوقف عند البعد الاقتصادي السياسي الذي نشأ بالتوازي مع تطورها، فقد شهدت البلاد تدفقات مالية وإعلامية ودعم لوجستي من أطراف إقليمية مختلفة، ساهمت في إعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض، وتحويل الحراك من حالة احتجاجية ذات طابع سياسي إلى صراع مفتوح متعدد الموارد والأجندات...
بهذا المعنى، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين دولة ومجتمع، بل أصبح شبكة مصالح متداخلة تتجاوز الحدود الوطنية...
في موازاة ذلك، لعب الإعلام دوراً مركزياً في إعادة إنتاج الواقع نفسه، فقد تسارعت السرديات على حساب الوقائع، وتقدمت الصورة على الحقيقة، حتى بات الرأي العام، داخل سورية وخارجها، يتلقى الأزمة من خلال عدسات جاهزة أكثر مما يتعامل معها كحدث قابل للتحقق النقدي، هذه الفجوة بين الواقع والسردية ساهمت في تعميق الاستقطاب، وفي تسريع الانزلاق نحو العنف...
وإلى جانب ذلك، كانت هناك عوامل جيوسياسية موازية، لا يمكن إغفالها، تتعلق بموقع سورية في خرائط الطاقة والعبور والنفوذ الإقليمي( رفض النظام السوري و بدوافع استراتيجية "مرور أنابيب تنقل الغاز القطري عبر الأراضي السورية مرورا بالكيان لأوربا"...
نعم:
لقد طُرحت في الخلفية تفسيرات تربط بين الأزمة وبين مشاريع خطوط إمداد الطاقة، وبين موقع سورية كعقدة جغرافية في صراع أوسع على مسارات النفوذ بين آسيا وأوروبا، هذه العوامل، سواء كانت حاسمة أو مساعدة، ساهمت في زيادة تعقيد المشهد وإدخاله في طبقات إضافية من الحسابات الدولية...
ومع تفاعل كل هذه العناصر، خرجت الأزمة من نطاقها الأولي تدريجياً، لتتحول إلى نظام صراع مفتوح:
- تعدد في مراكز القوة...
- تفكك في الجغرافيا السياسية... - تدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة...
- اقتصاد حرب ممتد، وانهيار تدريجي في البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة...
في النهاية:
( لا يبدو أن أي تفسير أحادي قادر على الإحاطة بما حدث)
فالمسار السوري لم يكن نتيجة سبب واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين هشاشة داخلية مزمنة، وتسريع خارجي للأزمة، وتضخيم إعلامي للسرديات، وتدويل متدرج للصراع، ومع مرور الوقت، فقدت جميع الأطراف القدرة على التحكم الكامل بمسار الأحداث، وتحولت البلاد إلى فضاء مفتوح تتداخل فيه الإرادات والنتائج دون سقف واضح...
ومن هنا:
فإن محاولة اختزال ما حدث في سورية إلى قاعدة قانونية مثل “ما بُني على باطل فهو باطل” تبدو غير كافية لفهم واقع سياسي لا يعمل بمنطق خطي بسيط، بل بمنطق تراكمي معقد، حيث يمكن للبدايات الملتبسة أن تنتج نتائج تاريخية كبرى، دون أن يعني ذلك أن تلك النتائج كانت حتمية أو مفهومة منذ البداية...
عموماً:
إن سورية، في هذا المعنى، ليست فقط قصة أزمة سياسية، بل دراسة قاسية في كيفية تحوّل هشاشة الداخل إلى فرصة للتدويل، ثم إلى حرب شاملة، ثم إلى واقع طويل المدى ما زال مفتوحاً على احتمالات غير محسومة حتى اليوم.