
سورية من ساحة صراع إلى عقدة عبور دولية:
لم تكن الجغرافيا السورية يوماً مجرد تفصيل على خرائط الشرق الأوسط، فمنذ آلاف السنين، كانت الأرض التي تصل بين الخليج والبحر المتوسط والأناضول وبلاد الرافدين ممراً للقوافل والجيوش والتجارة والأفكار، لكن العقود الأخيرة حولت هذه الميزة الاستثنائية إلى عبء ثقيل، بعدما أصبحت سورية ميداناً للحروب والصراعات الإقليمية والدولية، فتراجعت مكانتها الاقتصادية وتبدد دورها التاريخي كمركز وصل بين القارات...
اليوم:
ومع التحولات السياسية التي تشهدها البلاد والتغيرات العاصفة التي تضرب المنطقة، يعود السؤال القديم بثوب جديد:
- هل تستطيع سورية أن تستعيد موقعها الطبيعي كمفترق طرق استراتيجي، وأن تتحول من جديد إلى بوابة بين الشرق والغرب؟..
هذا السؤال لم يعد نظرياً كما كان في السابق، فالأحداث التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد العالمي على الممرات البحرية التقليدية. فكل اضطراب في الخليج العربي أو البحر الأحمر ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، ومع تكرار الأزمات، بدأت الدول الكبرى والشركات العملاقة تبحث عن بدائل تقلل من مخاطر الاعتماد على مسارات محدودة يمكن أن تتعرض للإغلاق أو التهديد في أي لحظة...
في هذا السياق تبرز سورية بوصفها إحدى الدول القليلة القادرة جغرافياً على لعب دور مختلف، فهي تقع في منتصف الطريق تقريباً بين مصادر الطاقة في الخليج والأسواق الأوروبية، وتمتلك واجهة بحرية على المتوسط، وترتبط حدودياً بدول تشكل بدورها عقداً أساسية في شبكات النقل الإقليمية...
غير أن الحديث عن سورية كممر اقتصادي لا يتعلق فقط بخطوط النفط والغاز، فالعالم يتجه نحو مفهوم أشمل للممرات الاستراتيجية، يشمل السكك الحديدية والطرق السريعة والكابلات الرقمية ومراكز الخدمات اللوجستية وموانئ إعادة التصدير، ومن ينجح في السيطرة على هذه الشبكات أو استضافتها يكتسب وزناً سياسياً واقتصادياً يتجاوز كثيراً حجم اقتصاده المحلي...
ولذلك فإن القيمة الحقيقية التي يمكن أن تقدمها سورية لا تكمن في كونها منتجاً للطاقة، بل في قدرتها على أن تصبح منصة لعبور الطاقة والتجارة والبيانات في آن واحد. وعندما تتحول دولة ما إلى نقطة عبور رئيسية، فإن استقرارها يصبح مصلحة مشتركة لعدد كبير من الدول، الأمر الذي يمنحها أهمية إضافية في الحسابات الإقليمية والدولية...
لكن الطريق إلى هذا الهدف ليس سهلاً، فالبنية التحتية السورية تعرضت خلال سنوات الحرب لتدمير واسع النطاق، والاقتصاد ما زال يواجه تحديات هائلة، فيما تحتاج شبكات النقل والطاقة والاتصالات إلى استثمارات بمليارات الدولارات قبل أن تصبح قادرة على أداء هذا الدور الطموح...
إضافة إلى ذلك، فإن أي مشروع إقليمي واسع النطاق يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة وعلاقات متوازنة مع الجوار، فالممرات التجارية لا تزدهر في مناطق التوتر، والاستثمارات الكبرى لا تتدفق إلى ساحات مفتوحة على احتمالات الصدام العسكري المستمر...
ورغم هذه العقبات، فإن المتغيرات الإقليمية تمنح سورية فرصة لم تتوفر لها منذ عقود. فالكثير من الدول باتت تنظر إلى الترابط الاقتصادي بوصفه أداة للأمن والاستقرار، لا مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح، وكلما ازدادت المخاطر التي تهدد الممرات البحرية التقليدية، ازدادت جاذبية البدائل البرية التي تربط الخليج ببلاد الشام ثم بأوروبا...
ومن هنا تبدو المسألة أكبر من مشروع اقتصادي أو خط أنابيب أو شبكة سكك حديدية. إنها تتعلق بإعادة تعريف موقع سوريا في النظام الإقليمي. فبعد سنوات طويلة كانت فيها البلاد موضوعاً للصراعات، تلوح إمكانية أن تصبح جزءاً من الحلول، وبعد أن ارتبط اسمها بالحرب والدمار، قد تمتلك فرصة للارتباط بالربط الاقتصادي والتكامل الإقليمي...
لذا:
فإن الرهان الحقيقي ليس على الجغرافيا، فالجغرافيا كانت موجودة دائماً، الرهان على السياسة والاستقرار والقدرة على تحويل الموقع الاستثنائي إلى مشروع تنموي طويل الأمد. فإذا نجحت سورية في ذلك، فلن تكون مجرد طريق بديل عن ممر مائي مهدد، بل ستتحول إلى عقدة استراتيجية جديدة في شبكة الاقتصاد العالمي، وإلى عنصر توازن واستقرار تحتاج إليه المنطقة بأكملها...
وفي عالم يتغير بسرعة وتتبدل فيه خرائط النفوذ والتجارة، قد يكون أكبر استثمار تستطيع سورية القيام به هو استثمار موقعها نفسه، فالدول قد تفتقر إلى الثروات الطبيعية أو الموارد الضخمة، لكنها عندما تحسن توظيف جغرافيتها تستطيع أن تصنع لنفسها مكانة لا تقل أهمية عن مكانة الدول الغنية بالنفط والغاز. وربما تكون هذه هي الفرصة التاريخية التي تقف أمام سوريا اليوم:
أن تنتقل من موقع المتلقي لتداعيات الأزمات إلى موقع المؤثر في رسم مسارات المستقبل.