--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

سورية وحكم العائلة ؟!.

Salah Kirata • ١٦‏/٢‏/٢٠٢٦

file_000000005bf8724699b5de81ceae7b14.png

دخلت سورية منذ انقلاب ١٩٧٠ في عهدٍ جديد لم يكن تغييرَ رئيسٍ فحسب، بل إعادة بناء الدولة على قاعدة واحدة، الأمن قبل السياسة، والولاء قبل الكفاءة، والصمت بدل المشاركة، منذ تلك اللحظة، بدأ حافظ الأسد بتشييد نظام حكم مركزي شديد التماسك، يقوم على شبكة عائلية–مناطقية–أمنية، تُمسك بمفاصل القوة الصلبة : الجيش، أجهزة المخابرات، الحرس الجمهوري، والألوية الأكثر حساسية، لم يكن ذلك سرًا، ولم يكن صدفة، كان اختيارًا واعيًا لتأمين النظام من الانقلابات التي عرفتها سورية قبل ١٩٧٠، فجاء الردّ عبر إحكام القبضة على أدوات العنف الشرعي للدولة، وربطها بسلسلة ولاءات شخصية وعائلية،
في القرى الساحلية التي خرج منها عدد كبير من ضباط تلك الشبكة، لم تكن الحياة امتيازًا عامًا، الفقر بقي، والخدمات شحيحة، والبطالة حاضرة، لكن باب الجيش والأمن فُتح بوصفه مسارًا للترقّي الاجتماعي، لم تكن الطائفة العلوية كجماعة قد اجتمعت لتقرّر حكم سورية، ولم تُنتج مشروعًا سياسيًا جامعًا؛ الذي تشكّل كان نواة سلطة ضيقة من عائلة الأسد ومن ضباط وأقارب ومقرّبين، معظمهم علويون بحكم دوائر الثقة الأولى، ومعهم آخرون من طوائف ومناطق مختلفة التحقوا بالشبكة حين أثبتوا ولاءهم للنظام لا للمجتمع ولا للقانون...
خلال السبعينيات والثمانينيات، بُني ( الاستقرار ) على القمع المنهجي، تم سحق المعارضة السياسية، وتفكيك المجال العام، وتحويل حزب البعث من تنظيم سياسي إلى واجهة للنظام. الأجهزة الأمنية – المخابرات العسكرية، أمن الدولة، الأمن السياسي – صارت الدولة الفعلية، الاعتقال التعسفي والتعذيب لم يكونا تجاوزات فردية، بل سياسة حكم، فالدولة لم تعد وسيطًا بين المجتمع والسلطة، بل صارت أداة للسلطة ضد المجتمع...
في المدن الكبرى، صعدت طبقة رجال أعمال مرتبطة مباشرة بالأجهزة وبالقصر، فالامتيازات الاقتصادية لم تُمنح على أساس الانتماء الديني، بل على أساس القرب من النظام، هنا دخل سنّة ومسيحيون ودروز وإسماعيليون في دائرة المنتفعين، مقابل التزام واضح، اقصد انه لا سياسة خارج سقف السلطة، ولا ثروة خارج حماية الأمن، وهكذا تَشكّل تحالف المال والأمن، وصارت الثروة جزءًا من منظومة الحكم لا نتيجة سوق حرّة، مجلس الشعب والحكومة كانا واجهة تعددية شكلية، بينما القرار الحقيقي يُصنع في الدوائر الأمنية الضيقة...
عام ٢٠٠٠، انتقل الحكم إلى بشار الأسد، تغيّرت اللغة قليلًا، وعود إصلاح، تحديث، انفتاح تقني، لكن البنية العميقة للنظام لم تتغير،  فالحلقة العائلية بقيت في القلب، والأجهزة الأمنية بقيت الضامن النهائي، وتحالف المصالح الاقتصادية توسّع، من خرج عن الخط أُقصي أو حُيّد، ( ربيع دمشق ) القصير انتهى سريعًا لأن النظام لم يكن مستعدًا للتخلّي عن منطق السيطرة مقابل منطق السياسة...
عندما اندلعت احتجاجات ٢٠١١، لم يواجهها النظام كحراك ( اجتماعي – سياسي ) يطالب بالكرامة والعدالة، بل كتهديد وجودي، من هنا جرى استدعاء الورقة الطائفية بوضوح، فخطاب ( حماية الأقليات ) استُخدم لتخويف قطاعات من المجتمع وربط مصيرها بمصير السلطة، في المقابل، انزلقت قوى معارضة مسلحة وخطابات دينية إلى تأطير الصراع مذهبيًا، ما عمّق الشرخ وحوّل المجتمع إلى ساحات خوف متبادل، هنا النظام أعاد التموضع داخل الحلقة الأشدّ التصاقًا به أمنيًا وطائفيًا، لا لأنه يمثل الطائفة، بل لأنه يعتبرها الضمانة الأخيرة حين تتآكل الشرعية...
في تلك السنوات، دُفع آلاف من أبناء الساحل إلى الجبهات، لا بوصفهم ( طائفة حاكمة )، بل بوصفهم موردًا بشريًا للآلة( الأمنية – العسكرية ) للنظام, كثيرون ماتوا دفاعًا عن سلطة لم يشاركوا يومًا في قرارها ولا في ثروتها، وفي المقابل، استمرّ أبناء الشبكة الضيقة في إدارة الحرب والاقتصاد معًا، حيث تحوّلت الحرب إلى فرصة تراكم ثروة جديدة لطبقة أمراء الحرب المرتبطين بالقصر والأجهزة. .
هنا تتضح التسمية الدقيقة للأشياء :
 لم تحكم سورية ( الطائفة العلوية )  كجماعة( دينية – اجتماعية ) ، ولم تكن السلطة تمثيلًا لها، بل حكمتها منظومة ( عائلية – أمنية – اقتصادية ) بقيادة آل الأسد، استخدمت الانتماء الطائفي كآلية ثقة داخلية، وكأداة تعبئة وتخويف عند الخطر، ووسّعت شبكتها لتشمل منتفعين من كل الطوائف. المسؤولية عن الاستبداد ليست مسؤولية جماعية لطائفة، بل مسؤولية نظام محدّد بأشخاصه وبنيته وممارساته، فالكارثة السورية لم تكن نتاج ( صراع طوائف ) بقدر ما كانت نتيجة إغلاق السياسة لعقود، وتحويل الدولة إلى جهاز أمن، وربط النجاة الفردية بالولاء، لا بالمواطنة...

عموماً :
حين التاريخ حين يُكتب بلا مواربة يُعيد الذنب إلى موضعه الصحيح، إلى نظام حكم محدّد، طويل العمر، ذاب في الدولة حتى صار التفريق بينهما صعبًا، وحين يُحمَّل الذنب لطائفة كاملة، يُعاد إنتاج الظلم باسم تفسيره، أمّا تسمية الأشياء بأسمائها، فهي الشرط الأول لأي عدالة مستقبلية، وأي محاولة للخروج من سردية ( إمّا معنا أو ضد جماعتك ) إلى سردية أبسط وأصدق ( إمّا مع الاستبداد أو ضده، بصرف النظر عن الهوية ).