
سورية وإيران بعد العاصفة: من التحالف الإيديولوجي إلى براغماتية الضرورة.
لم تعد العلاقة بين دمشق وطهران كما كانت طوال العقود الأربعة الماضية. فالمشهد الذي تشكّل بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024 لم يترك مجالًا كبيرًا لاستمرار المعادلات القديمة، بل دفع الطرفين إلى إعادة النظر في أسس تحالف طالما بُني على تداخل الأهداف الأمنية والإيديولوجية أكثر من اعتماده على المصالح المتبادلة المتوازنة.
في سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تبدو الدولة في طور إعادة التأسيس، مع تركيز واضح على استعادة السيادة الوطنية وترتيب البيت الداخلي بعيدًا عن أي اصطفافات إقليمية حادة. هذا التحول لم يكن عابرًا، بل يعكس قطيعة مع نمط إدارة العلاقة الخارجية الذي ميّز الحقبة السابقة، حيث كانت الأولويات تُصاغ غالبًا في إطار محور إقليمي واسع تقوده طهران.
أما إيران، فقد وجدت نفسها أمام تحديات غير مسبوقة. خسارة العمق السوري كما كان سابقًا تعني عمليًا تقويض أحد أهم خطوط الإمداد الاستراتيجي نحو لبنان، ما أضعف قدرتها على دعم حلفائها التقليديين في المنطقة. ومع تزايد الضغوط، لم يعد أمامها خيار سوى التعامل مع واقع جديد لا يمكن تجاهله أو تجاوزه بالقوة.
التحولات التي شهدها عام 2025 لم تأتِ في فراغ. فمحاولات زعزعة الاستقرار في بعض المناطق السورية، والتي نُسبت إلى أطراف مرتبطة بالنظام السابق، عكست في بدايتها رغبة إيرانية في الحفاظ على نفوذها أو على الأقل منع انهياره السريع. غير أن هذه المحاولات لم تُثمر نتائج مستدامة، بل سرعان ما اصطدمت بواقع سياسي وعسكري جديد فرضته تطورات الميدان، إلى جانب تغير المزاج الدولي والإقليمي تجاه الملف السوري.
ومن زاوية أخرى، ساهمت المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي في إعادة ترتيب الأولويات لدى الطرفين. فالتهديد الإسرائيلي المتصاعد لم يعد مسألة تخص طرفًا واحدًا، بل بات عنصر ضغط مشترك يدفع نحو نوع من التقاطع في المصالح الأمنية، حتى وإن كان ذلك دون التزام كامل بتحالف تقليدي.
في هذا السياق، يمكن فهم مسار العلاقة الجديدة من خلال ثلاث زوايا رئيسية.
أولًا، الهاجس الأمني الذي يفرض نفسه على كلا الطرفين. فالتصعيد الإسرائيلي في المنطقة، وما رافقه من استهدافات في العمق السوري وأحيانًا الإيراني، خلق حاجة موضوعية للتنسيق. إيران تحتاج إلى موطئ قدم سياسي وأمني في سوريا يضمن لها الحد الأدنى من التأثير، بينما تدرك دمشق أن الانكشاف الأمني قد يكون مكلفًا في ظل بيئة إقليمية مضطربة. لكن هذا التقاطع لا يعني العودة إلى نموذج التبعية، بل إلى صيغة أكثر حذرًا، تحاول فيها دمشق موازنة علاقاتها دون الارتهان لأي محور.
ثانيًا، الشروط السورية الجديدة. فالحكومة في دمشق تضع خطوطًا حمراء واضحة، في مقدمتها رفض أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية، والحرص على منع الانزلاق نحو توترات طائفية قد تعيد إنتاج أسباب الصراع. كما أن مسألة استخدام الأراضي السورية كممر لوجستي لنقل السلاح إلى أطراف إقليمية، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، تبدو من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا. هذا الموقف يعكس تحولًا في فلسفة الحكم، من إدارة النفوذ إلى حماية الدولة.
ثالثًا، البراغماتية التي تفرضها الجغرافيا السياسية. فمهما بلغت حدة الخلافات، تبقى الجغرافيا عاملاً حاسمًا في رسم العلاقات بين الدول. إيران لن تتخلى بسهولة عن حضورها في سوريا، وسوريا بدورها لا تستطيع تجاهل وزن إيران في معادلات المنطقة. لكن العلاقة بينهما لن تعود إلى سابق عهدها، بل ستتخذ على الأرجح شكل توازن دقيق بين التعاون المحدود والتنافس غير المعلن.
في المحصلة، يبدو أن مستقبل العلاقات السورية الإيرانية يتجه نحو إعادة تعريف شاملة، تقوم على تقاطع المصالح لا وحدة الرؤية. وهي علاقة لن تُحسم بالعاطفة أو التاريخ، بل بمدى قدرة كل طرف على التكيف مع معطيات مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة.