
ذاكرة الشهداء بين التسييس والطمس: جدل الرموز العربية في شوارع حمص.
في كل مرة تُثار فيها قضية تغيير أسماء شوارع أو إزالة رموز تاريخية مرتبطة بمرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، يتجدد الجدل حول العلاقة بين السياسة والذاكرة الجماعية، وحول حدود إعادة تشكيل الفضاء العام وفق تحولات السلطة والمرحلة.
القضية المثارة في حمص بشأن اسم الفريق عبد المنعم رياض، القائد العسكري المصري الذي ارتبط اسمه بمرحلة التعاون العسكري العربي في مواجهة إسرائيل، أعادت إلى السطح سؤالاً أعمق من مجرد لافتة على جدار: من يملك حق تشكيل الذاكرة العامة؟ وهل يمكن فصل الرموز العسكرية عن سياقها القومي والتاريخي؟
لا خلاف أن الفريق عبد المنعم رياض يمثل في الوجدان العربي رمزاً عسكرياً بارزاً، ليس فقط في مصر، بل أيضاً في سياق التنسيق العسكري العربي خلال حرب 1967 وما تلاها، حيث شكّلت تلك المرحلة ذروة التعاون بين الجيوش العربية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. لذلك فإن أي مساس باسمه في فضاء عام عربي يفتح باباً واسعاً من الحساسية السياسية والعاطفية، خصوصاً لدى من يعتبرون تلك الرموز جزءاً من “الهوية القتالية المشتركة”.
في المقابل، يرى بعض المدافعين عن قرارات إعادة التسمية أو التعديل أن الفضاء العام في أي بلد يخضع لاعتبارات سيادية وإدارية متغيرة، وأن أسماء الشوارع ليست نصوصاً مقدسة، بل جزء من إدارة الذاكرة وفق رؤى السلطة القائمة، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التغيير ذاته، بل في توقيته ودلالاته، وفي غياب الحوار العام حوله. فحين تمس التغييرات رموزاً ذات بعد عربي مشترك، تتحول المسألة من قرار محلي إلى قضية رمزية تتجاوز الحدود، وتُقرأ سياسياً في سياقات أوسع، حتى لو لم يكن ذلك هو المقصود المباشر.
من زاوية أوسع، فإن ما يحدث يعكس معركة أعمق تدور في المنطقة حول “الذاكرة”: هل تُبنى على أساس قومي مشترك يعترف بتضحيات الجيوش العربية مجتمعة؟ أم تُعاد صياغتها وفق سرديات محلية أو سياسية ضيقة تعيد ترتيب الرموز بما يخدم كل مرحلة على حدة؟
إن خطورة هذا النوع من الجدل أنه، إذا لم يُدار بعقلانية، يمكن أن يتحول إلى وقود للاستقطاب بدل أن يكون فرصة لنقاش تاريخي هادئ حول كيفية حفظ تضحيات الماضي دون توظيفها في صراعات الحاضر.
في النهاية، تبقى الرموز العسكرية التي ارتبطت بدماء وتضحيات في الوعي العربي أكبر من أن تُختزل في قرار إداري أو خلاف سياسي عابر. والمسؤولية تقتضي التعامل مع هذا الإرث بحساسية عالية، توازن بين حق الدول في إدارة فضائها العام، وحق الشعوب في الحفاظ على ذاكرتها المشتركة بعيداً عن العبث أو التسييس المفرط.
خاتمة: ربما لا تكون الإشكالية في تغيير اسم هنا أو هناك، بل في غياب توافق عربي أوسع حول كيفية صون الذاكرة المشتركة. فالشعوب التي تختلف على رموزها، تخسر تدريجياً قدرتها على الاتفاق على تاريخها.