
تحالف هرمز… بين منطق الحماية وحسابات السياسة:
عندما طرح الرئيس الأميركي السابق فكرة إنشاء تحالف دولي لحماية الملاحة في ، لم يكن الأمر مجرد مبادرة أمنية عابرة، بل كان اختباراً حقيقياً لموازين القوى الدولية ولمدى استعداد الدول الكبرى للانخراط في استراتيجية أميركية جديدة في منطقة . فالمضيق الذي يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية ليس مجرد ممر مائي، بل شريان استراتيجي للاقتصاد العالمي، وكل اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق والسياسات.
لكن الدعوة الأميركية لم تلقَ استجابة موحدة، بل كشفت عن خريطة متباينة من المواقف الدولية، تراوحت بين التأييد الحذر، والتحفظ، والرفض الضمني.
أولاً:
الحلفاء التقليديون… تأييد حذر
بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة أبدوا استعداداً للمشاركة، لكن دون حماسة كبيرة. فقد دعمت الفكرة وشاركت في ترتيبات أمنية بحرية، انطلاقاً من قلقها المباشر على أمن ناقلاتها بعد حادثة احتجاز ناقلة بريطانية من قبل .
أما دول أخرى في مثل و فاختارت طريقاً مختلفاً. فقد رأت أن الانضمام لتحالف تقوده واشنطن قد يُفسَّر على أنه اصطفاف عسكري في مواجهة إيران، وهو ما يتعارض مع جهودها للحفاظ على الاتفاق النووي المعروف باسم . لذلك فضلت باريس طرح مبادرة أوروبية مستقلة لمراقبة الملاحة، تحاول الجمع بين الأمن البحري وتجنب التصعيد.
ثانياً:
القوى الكبرى… حسابات توازن لا مواجهة
أما القوى الدولية الكبرى مثل و فقد تعاملت مع المبادرة الأميركية بكثير من الشك. فهاتان الدولتان تنظران إلى أي تحالف عسكري تقوده واشنطن في الخليج بوصفه توسيعاً لنفوذها العسكري أكثر مما هو مجرد حماية للملاحة.
لذلك دعت موسكو وبكين إلى مقاربة مختلفة تقوم على الأمن الجماعي في الخليج، بمشاركة جميع الدول المعنية، بما فيها إيران، بدلاً من تشكيل تحالف يُنظر إليه كأداة ضغط سياسي وعسكري عليها.
ثالثاً:
دول الخليج… دعم مشروط
في المقابل، أبدت دول خليجية عدة، مثل و، ترحيباً واضحاً بالمبادرة الأميركية. فهذه الدول ترى أن تهديد الملاحة في المضيق يمسّ أمنها الاقتصادي مباشرة، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة مع إيران.
غير أن هذا الدعم لم يكن مطلقاً؛ فبعض العواصم الخليجية كانت تدرك أيضاً أن أي تصعيد عسكري واسع قد يحول مياه الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وهو ما تحاول تجنبه.
بين الأمن والهيمنة
في جوهره، كشف الجدل حول تحالف حماية الملاحة في مضيق هرمز عن معادلة دولية معقدة: فالدول كلها معنية بحماية الممرات البحرية، لكن ليس بالضرورة تحت القيادة الأميركية أو ضمن استراتيجية قد تُفسَّر كجزء من سياسة الضغط القصوى على إيران.
وهكذا تحولت المبادرة الأميركية إلى مرآة تعكس التحولات في النظام الدولي. فالعالم لم يعد يتحرك بسهولة خلف الدعوات الأميركية كما كان في العقود الماضية، بل باتت كل دولة تزن مشاركتها بميزان دقيق من المصالح، والتوازنات الإقليمية، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تريدها.
في النهاية، يبقى مضيق هرمز مثالاً واضحاً على حقيقة جيوسياسية راسخة: أن الممرات الاستراتيجية ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل نقاط اختبار دائمة لقوة الدول، وقدرتها على بناء التحالفات، أو عجزها عن ذلك.