تخيلت ماذا قالت وفاء ابنة اللواء صلاح الجديد عندما وصلتها رسالة ابيها الذي لم تره :
وفاء :
ابنة الرجل الذي لم يكن
لم أعرف أبي، هذه الجملة لا تزال تُربكني كلما قلتها...
الناس يظنون أن عدم معرفة الأب يعني غيابه الجسدي فقط، لكن أبي كان حاضراً في كل شيء، في الهمس، في الخوف، في الصمت الذي يسقط فجأة حين يُذكر اسمه.
كنت أقول :
أبي في السجن...
فيصححون :
أبوك كان في السلطة، ولا أحد يسألني إن كنتُ أريده في أيٍّ منهما...
- صورة بلا ملامح، ليس لدي صورة واحدة معه، كل ما لديّ صور له وحده، بدلة عسكرية، منصة خطاب، ملامح صارمة لا تشبهني...
كنت أبحث عن وجهي في وجهه،
فأجد بلداً كاملاً، ولا أجد أباً...
قالوا لي :
أبوك رجل كبير، أبوك صنع تاريخاً.
أبوك كان يحكم، لكن أحداً لم يقل لي أن أبوك كان سيحبك لو سُمح له...
- الزيارة المستحيلة، لم أزره، ليس لأنني لم أرد، بل لأن الزيارة كانت دائماً مؤجلة سياسياً...
قالوا :
ليس الآن...
قالوا :
الوضع حساس...
قالوا :
لا فائدة...
كبرت وأنا أفهم أن الدولة تخاف من لقاء أب بابنته، أكثر مما تخاف من انقلاب...
- الرسالة، حين وصلتني الرسالة،
لم أعرف كيف أفتحها. كانت ورقة،
لكنها أثقل من سنوات عمري كلها.
قرأتها ببطء، كأنني أخشى أن ينهار الصوت لو أسرعت :
( هل تفهمينني يا وفاء… كأب وقبل ذلك كصديق؟ )...
هنا توقفت, لأول مرة، شعرت أن رجلاً في هذا البلد يطلب مني الفهم، لا الطاعة...
لم يطلب غفراناً، ولا براءة، ولا تبريراً، طلب أن يُفهم...
- الأب الذي اكتشف نفسه متأخراً
أدركت وأنا أقرأ، أن أبي اكتشف إنسانيته، حين خسر كل شيء، حين لم يعد قائداً، ولا عضواً في قيادة، ولا صانع انقلاب، في السجن، صار مجرد أب يكتب لابنته
كي لا يختفي تماماً...
- السياسة كما رأيتها، لم أفهم السياسة من الكتب، ولا من الخطب، بل فهمتها من غياب أبي.
من فكرة أن رجلاً، يُسجن ثلاثة وعشرين عاماً لا لأنه سرق، ولا لأنه قتل، بل لأنه خسر، في هذا البلد،
الخسارة جريمة...
- موته، مات أبي قبل أن أراه.
قالوا : توفي
لم يقولوا : مات في زنزانة...
لم يقولوا : مات مهاناً...
كأن اللغة نفسها، كانت خائفة، لم أبكِ فوراً، بكيت لاحقاً حين أدركت
أنني فقدت ابا لم أحصل عليه أصلاً...
- ما تبقى اليوم، حين أقرأ رسالته،
أفهم شيئاً واحداً بوضوح، أن السلطة لم تهزم أبي فقط، بل سرقت مني حقاً بسيطاً وهو :
أن أقول كان أبي بدلاً من كان اسمه أبي...
- خاتمة وفاء
أبي لم يكن بطلاً، ولم يكن شيطاناً.
كان رجلاً ظن أن الحزب طريق،
فاكتشف أن الطريق كان سجناً.
وترك لي، قبل أن يموت، شيئاً واحداً صادقاً:
صوته…
من دون رتبة، من دون شعار،
من دون دولة. هنا...