--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ترامب بين فكي التصعيد والتسوية: مأزق القوة حين تفقد بوصلتها

Salah Kirata • ٣٠‏/٥‏/٢٠٢٦

40032.jpg

ترامب بين فكي التصعيد والتسوية: مأزق القوة حين تفقد بوصلتها

بقلم:

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

تبدو إدارة دونالد ترامب، في لحظة المواجهة مع إيران، وكأنها تقف عند مفترق لا يسمح بالحلول السهلة. فإما العودة إلى التصعيد العسكري بما يحمله من كلفة مفتوحة وغير مضمونة النتائج، أو الانزلاق نحو تسوية سياسية قد تُقرأ داخلياً على أنها تراجع عن سقوف عالية رُفعت سابقاً. وفي كلا الاتجاهين، لا يظهر في الأفق ما يمكن وصفه بـ«الانتصار الصافي» الذي اعتادت السياسة الأميركية التلويح به.

ما يلفت في المشهد ليس فقط حدة التباين بين الخيارات، بل الانقسام داخل المعسكر السياسي الداعم للرئيس نفسه. فالجمهوريون الذين أيّدوا النهج المتشدد تجاه طهران يجدون أنفسهم اليوم أمام احتمال اتفاق لا ينسجم مع خطابهم السابق. وهذا الانقسام يكشف أن المشكلة لم تعد في إيران وحدها، بل في داخل بنية القرار الأميركي ذاته، حيث تتصارع الحسابات الأيديولوجية مع ضرورات الواقع.

التصعيد العسكري، الذي يُطرح كخيار بديل، يبدو أقرب إلى مغامرة طويلة المدى منه إلى عملية حاسمة قصيرة. فالتجربة الأميركية في المنطقة خلال العقود الماضية تشير إلى أن الحروب المحدودة زمنياً تتحول سريعاً إلى استنزاف سياسي وعسكري، خصوصاً حين يتعلق الأمر بدولة ذات عمق جغرافي وبنية عسكرية قادرة على امتصاص الضربات والاستمرار. ومن هنا، فإن فكرة “الحسم السريع” تبدو أقرب إلى خطاب تعبوي منها إلى تقدير استراتيجي واقعي.

في المقابل، فإن أي اتفاق مع طهران—even لو كان عملياً—سيُقرأ داخل الولايات المتحدة كتنازل، لا سيما إذا لم يحقق الأهداف القصوى التي رُفعت في بداية التصعيد. وهنا يكمن جوهر المأزق: السياسة التي تُبنى على وعود الحد الأقصى تجد نفسها عاجزة عن تبرير أي نتيجة وسطية، حتى لو كانت الأكثر قابلية للاستمرار.

المعضلة الأعمق أن واشنطن تبدو، مرة أخرى، عالقة في نمط متكرر من السلوك الاستراتيجي: اندفاع نحو القوة حين يُعتقد أن الخصم يمكن كسره سريعاً، ثم عودة متأخرة إلى التفاوض حين يتبين أن الكلفة أعلى من المتوقع. هذا التذبذب لا يعكس فقط اختلاف الإدارات، بل يكشف أيضاً حدود القدرة الأميركية على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة في الشرق الأوسط.

من زاوية أخرى، يمكن القول إن إيران—بصرف النظر عن تقييم سياساتها—تتحرك ضمن حسابات أكثر ثباتاً: تقبل التوتر الطويل ولا تراهن على الحسم السريع، ما يمنحها قدرة أعلى على المناورة في مواجهة خصم يحتاج إلى نتائج سريعة ليُقنع داخله قبل أن يُقنع الخارج.

في تقديري، الأزمة الحالية ليست مجرد اختبار لترامب أو لإدارته، بل هي اختبار لفكرة “الهيمنة عبر الضغط القصير”. هذه الفكرة التي تفترض أن التفوق العسكري أو الاقتصادي يمكن أن يفرض إرادة سياسية خلال فترة زمنية محدودة، تتآكل تدريجياً أمام تعقيد الإقليم وتشابك مصالحه وصلابة أطرافه.

المفارقة أن أي خيار سيتخذه ترامب لن يُقرأ بوصفه نجاحاً كاملاً. التصعيد قد يفتح باب حرب طويلة لا يريدها أحد في الداخل الأميركي، والتسوية قد تُستخدم ضده سياسياً كدليل على التراجع. وهكذا يتحول القرار من بحث عن أفضل حل إلى محاولة لتقليل الخسائر، وهو ما يُعدّ في السياسة تحولاً جوهرياً من منطق المبادرة إلى منطق إدارة الأزمة.

النتيجة الأهم التي يمكن استخلاصها أن الولايات المتحدة لم تعد تتحرك في بيئة تسمح بالانتصارات السريعة أو الاتفاقات الحاسمة. بل إنها تواجه واقعاً إقليمياً يفرض عليها إما الحروب المكلفة أو التسويات الناقصة. وفي الحالتين، لم يعد هناك مكان للخيارات المثالية.

أما رأيي، فهو أن جوهر المشكلة ليس في الاتفاق أو الحرب بحد ذاتهما، بل في الإصرار على صياغة أهداف قصوى غير قابلة للتحقق عملياً، ثم التعامل مع الواقع وكأنه يجب أن ينحني لها. هذه المقاربة أثبتت عبر تجارب متكررة أنها تنتج دائماً النتيجة نفسها: توسع في التورط، ثم بحث متأخر عن مخرج أقل كلفة، لكن أيضاً أقل إقناعاً.