
ترامب في مستنقع الشرق الأوسط: حرب مفتوحة على ست جبهات واستنزاف بلا نهاية
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفاً لم يعد فيه شيء يشبه “العملية الجراحية السريعة” التي وعد بها الرئيس ترامب. فبعد أيام قليلة فقط من انطلاق العمليات، أصبح واضحاً أن واشنطن لم تعد تتحكم بالوتيرة كما خططت، وأن الرئيس الأميركي انزلق إلى مستنقع استراتيجي معقد، يفتتحه العمق الإيراني والعراقي، ويمر بالبحر الأحمر ولبنان، وصولاً إلى تهديد مباشر للمنشآت النفطية في الخليج، لتصبح فكرة “الخروج الآمن” أكثر صعوبة من تحقيق أي نصر عسكري ملموس.
اقتصادياً، بدأت آثار الحرب تضرب مباشرة جيوب الأميركيين. فالميزانية العسكرية تلتهم نحو مليار دولار يومياً، فيما تنفد مخزونات الذخائر المتقدمة بوتيرة متسارعة. لكن التحدي الأكبر لا يكمن في كلفة البنتاجون، بل في انعكاس الحرب على المواطن العادي، الذي بدأ يشعر بارتفاع أسعار الوقود وتفاقم الضغوط المالية، وهو ما بدأ ينعكس على شعبية الرئيس وتقليل الدعم الشعبي للعمليات من أكثر من 60% إلى نحو نصف الجمهور خلال أيام.
ميدانياً، لم تحقق القوة الجوية الأمريكية أهدافها بسرعة، إذ تواصل مجموعات مسلحة مثل الحوثيين تهديد خطوط التجارة في البحر الأحمر، بما يمثل حوالي 12% من حركة الشحن العالمية، ما رفع التكاليف بشكل قياسي. في لبنان والعراق، تصاعدت الصراعات إلى مستويات خطيرة، مع خطر اندلاع نزاعات طويلة الأمد أو حروب أهلية، لتثبت أن الخصم لم يعد مجرد متلقي للتكتيكات، بل فاعل قادر على قلب المعادلات.
خارجياً، تراقب بكين وموسكو الوضع عن كثب، مستفيدتين من انشغال واشنطن بمواردها في الشرق الأوسط. كل دولار يُصرف وكل صاروخ يُطلق يعني تراجع قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تحدياتها الأخرى في أوكرانيا وتايوان. القوى الكبرى الشرقية تفضل الصبر وجمع المعلومات، فيما الولايات المتحدة تُستنزف تدريجياً في حرب تكلفتها سياسية واقتصادية هائلة.
النتيجة واضحة: ترامب محاصر بين خيارين صعبين. الانتصار الكامل يتطلب غزوًا بريًا بتكلفة باهظة وسياسية انتحارية، أما الانسحاب فيعني تقديم إيران نصراً سياسياً وأدبياً ينعكس سلباً على صورته. وبين هذا وذاك، تستمر العمليات اليومية والنزيف الاقتصادي، ليظل السؤال الأكبر: كيف يمكن لواشنطن أن تخرج من هذا المستنقع بأقل الخسائر الممكنة، قبل أن تتحول الحرب إلى إرث ثقيل يعصف بمكانتها الاستراتيجية؟