
تركيا وإيران: بين مطارق الضغوط وسندان الشارع.
تركيا اليوم تتأرجح بين ضغوط خارجية متصاعدة واحتياجاتها الداخلية، في وقت يزداد فيه التوتر حول إيران. فالقلق التركي ليس مجرد شكوك، بل يرتبط مباشرة بإمكانية استمرار التحالف الصهيو-أميركي في استهداف النظام الإيراني، مع فتح جبهات داخلية في المناطق الكردية، ما قد يجر المنطقة كلها إلى صراعات عرقية ومذهبية خطيرة.
على الأرض، تجد أنقرة نفسها تحت ضغط مزدوج: من جهة، الضغوط الأميركية التي تدفعها للمشاركة في أي تحرك ضد إيران؛ ومن جهة أخرى، شعب غاضب يرى في أي تورط مباشر تهديدًا للأمن القومي. استطلاعات الرأي التركية الأخيرة أظهرت رفضًا واسعًا لأي عدوان على إيران، مع إدراك أن تركيا قد تصبح الهدف التالي في المخطط الإقليمي لإسرائيل، وفق التصريحات الرسمية الإسرائيلية التي تحدثت عن "دولة إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات.
السياسة الرسمية التركية تتسم بالحذر. الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان لم يترددوا في التحذير من السيناريوهات الخطيرة، مثل تقسيم إيران وإشعال النزاعات العرقية، لكنه في الوقت نفسه يوازن بين انتقاد العدوان على إيران والحفاظ على علاقته مع الولايات المتحدة، التي تعتبر دعامة أساسية لاستمراره داخليًا.
الإعلام المحلي لعب دوره في تعزيز هذا الموقف الشعبي، حيث أبدى تضامنه مع إيران ودعا الحكومة إلى تشديد الرقابة على القواعد العسكرية الأجنبية، وحماية مصالح تركيا الاستراتيجية في كل مناطق نفوذها، من شمال قبرص إلى الحدود السورية. تركيا لم تكتف بالتحذير الكلامي، بل أرسلت تعزيزات عسكرية في الجزيرة، في رسالة واضحة أن أي تهديد لمصالحها الاستراتيجية لن يمر بلا رد.
الرهان الحقيقي يبقى على الشارع التركي، الذي يمكن أن يتحول إلى "سندان" يصد أي محاولات لإرغام تركيا على الانخراط في صراعات لا تخدم مصالحها. ففي مواجهة مطارق العدوان الخارجي، يصبح إرادة الشعب وسيلة فعّالة لضبط التوازن، وإظهار أن تركيا، وحدها، يمكنها التصدي لمخططات تهدد أمنها القومي واستقرارها الإقليمي.
في النهاية، تركيا أمام مفترق طرق: كيف توازن بين تاريخها العثماني، وموقعها الجغرافي، وطموحاتها القومية، وبين ضغوط القوى العالمية؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ستحدد مستقبلها في المنطقة، وربما مصير كل التحالفات الإقليمية القادمة.