
ترمب وحرب إيران: تقلبات الخطاب بين إعلان النصر وغموض النهاية.
في غضون ثلاثة أسابيع فقط، بدا أن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه الحرب على إيران يسير في مسار غير ثابت، تتداخل فيه الثقة المطلقة بإعلان النصر مع تردد واضح في تحديد مآلات الصراع. هذا التذبذب لم يكن مجرد تفاصيل خطابية، بل يعكس—بشكل أعمق—طبيعة إدارة حرب معقدة تتغير مع تطور الوقائع على الأرض.
منذ الأيام الأولى للضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، قدّم ترمب صورة حاسمة توحي بأن المعركة قد حُسمت سريعاً. تحدث مراراً عن “النصر”، وأعاد صياغة هذا الإعلان بصيغ متعددة: مرة بوصفه نصراً كاملاً، وأخرى نصراً جزئياً أو متقدماً. هذا الإصرار على تثبيت فكرة الانتصار لم يكن ثابتاً فقط في تصريحاته العامة، بل ظهر أيضاً عبر منصاته الإعلامية وخطاباته الجماهيرية، حيث كان يؤكد أن الهدف العسكري قد تحقق منذ اللحظات الأولى.
لكن هذا الخطاب الحاسم سرعان ما واجه واقعاً أكثر تعقيداً. فبينما كان يعلن النصر، كان في الوقت ذاته يشير إلى أن العمليات لم تنتهِ بعد، وأن “المهمة لا تزال بحاجة إلى استكمال”. هذا التناقض بين إعلان الحسم والاعتراف باستمرار القتال يعكس حالة من عدم اليقين حول نتائج الحرب، أو ربما محاولة متعمدة للموازنة بين الرأي العام الداخلي وضغوط المشهد الدولي.
في موازاة ذلك، رفع ترمب سقف مطالبه مبكراً إلى مستوى “الاستسلام غير المشروط”، في إشارة واضحة إلى رغبته في تحقيق نتيجة سياسية حاسمة تتجاوز البعد العسكري. لكنه عاد لاحقاً ليصيغ هذا الاستسلام كأنه تحقق فعلاً، ثم ما لبث أن فتح الباب أمام خيار آخر: التفاوض. وهنا يظهر التحول من منطق الإملاء إلى منطق الصفقة، وهو أسلوب لطالما ارتبط بشخصيته السياسية، حيث تتحول الحرب إلى وسيلة ضغط من أجل الوصول إلى اتفاق، لا غاية بحد ذاتها.
هذا التحول لم يكن نظرياً فقط، بل تجلّى في تصريحات تتحدث عن “محادثات مثمرة” مع طهران، وعن إمكانية الوصول إلى تسوية خلال أيام قليلة. ومع ذلك، ظل الخطاب متناقضاً، إذ ربط التهدئة بمهلة زمنية قصيرة، ملوحاً في الوقت نفسه باستمرار القصف في حال فشل التفاهم. هذه الازدواجية بين التهديد والانفتاح على التفاوض تعكس استراتيجية قائمة على الضغط المتدرج، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن غياب مسار واضح ومستقر.
أحد أبرز عناصر هذا المشهد هو الغموض المتعمد في ما يتعلق بمدة الحرب. ففي البداية، تحدث ترمب عن عملية قد تمتد لأسابيع، مع تقديرات تقارب أربعة أسابيع، بل وأحياناً أكثر. لكن مع مرور الوقت، أصبح أقل دقة في تحديد الإطار الزمني، مكتفياً بالقول إن الأمور تسير “قبل الجدول الزمني”، دون تقديم معايير واضحة لهذا الجدول. هذا الغموض يعزز الانطباع بأن إدارة الحرب تسير وفق تطورات اللحظة، لا وفق خطة نهائية معلنة.
أما على مستوى السيناريو السياسي داخل إيران، فقد أبدى ترمب في البداية استعداداً للتعامل مع النظام القائم، بل وطرح نموذجاً مشابهاً لتجربة فنزويلا، حيث يمكن العمل مع القيادة الحالية لتحقيق الأهداف الأميركية. لكنه عاد لاحقاً ليطرح فكرة تغيير القيادة، مع الإشارة إلى رغبته في التأثير على شكل النظام السياسي في طهران، وهو ما يكشف انتقالاً من منطق التعايش إلى منطق إعادة تشكيل الخصم.
ورغم هذا الطرح الطموح، اصطدم الواقع بصلابة البنية السياسية الإيرانية، واستمرار وجود بدائل قيادية داخل النظام، ما جعل هذا السيناريو أقل قابلية للتحقق. ومع ذلك، ظل ترمب يتعامل مع هذا الملف بنوع من الغموض، رافضاً الكشف عن تفاصيل الاتصالات أو الأطراف التي قد تتعامل معها واشنطن داخل إيران، ما يضيف طبقة إضافية من الضبابية على المشهد.
وفي سياق موازٍ، بقي احتمال التدخل البري أحد أكثر الملفات حساسية. فرغم نفيه المتكرر لرغبته في خوض “حروب لا تنتهي”، فإن الإدارة الأميركية لم تستبعد هذا الخيار بشكل واضح، بل أبقته ضمن دائرة “الغموض الاستراتيجي”. هذا التردد يعكس معضلة كلاسيكية في السياسة الأميركية: الرغبة في تحقيق أهداف حاسمة دون الانزلاق إلى التورط العسكري طويل الأمد.
في النهاية، يمكن القول إن خطاب ترمب خلال هذه الأسابيع الثلاثة لم يكن مجرد سلسلة من التصريحات المتناقضة، بل كان انعكاساً لحرب لا تزال في طور التشكّل. بين إعلان النصر المبكر، والسعي إلى صفقة، والتهديد بالتصعيد، والغموض حول الخطوات التالية، يظهر المشهد وكأنه حرب بلا نهاية واضحة، أو على الأقل بلا سردية نهائية مستقرة.
وهكذا، لا تبدو المسألة مجرد حرب على إيران بقدر ما هي اختبار لقدرة الخطاب السياسي على التكيّف مع واقع عسكري متغير، حيث يصبح “النصر” أداة سياسية بقدر ما هو نتيجة عسكرية، وحيث يبقى السؤال الأهم: هل يمكن إعلان نهاية حرب قبل أن تتضح معالمها؟