--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

واشنطن تلوّح بالخيار البري داخل إيران… تصعيد محسوب أم بداية إعادة تشكيل قواعد الصراع

Salah Kirata • ٢٩‏/٣‏/٢٠٢٦

17101.png

واشنطن تلوّح بالخيار البري داخل إيران… تصعيد محسوب أم بداية إعادة تشكيل قواعد الصراع؟:

في لحظة إقليمية تتسم بقدر غير مسبوق من التوتر والسيولة الاستراتيجية، لم يعد التصعيد مجرد احتمال نظري يُستخدم في الخطاب السياسي، بل بات خيارًا عمليًا يُناقش داخل دوائر صنع القرار. وفي هذا السياق، تكشف التسريبات الواردة من أوساط وزارة الدفاع الأميركية عن إعداد خطط تتضمن إمكانية تنفيذ عمليات برية محدودة داخل إيران، قد تمتد لأسابيع، في حال تم اتخاذ القرار السياسي المناسب.

هذا التطور لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً عسكريًا تقنيًا فحسب، بل يعكس تحوّلًا أعمق في مقاربة إدارة الصراع. فانتقال النقاش من أدوات الضغط غير المباشر—كالعقوبات أو العمليات المحدودة—إلى خيار الانخراط البري، حتى وإن كان ضمن نطاق ضيق، يعني أن واشنطن تدرس تجاوز الخطوط التقليدية التي حكمت سلوكها في المنطقة خلال السنوات الماضية.

وفق المعطيات المتاحة، لا تشير هذه الخطط إلى نية تنفيذ غزو شامل، بل إلى عمليات تكتيكية دقيقة تستهدف نقاطًا محددة ذات أهمية استراتيجية، مثل منشآت عسكرية أو عقد لوجستية مرتبطة بالبنية الدفاعية الإيرانية. ويعتمد هذا النوع من العمليات على عنصر المفاجأة، وسرعة التنفيذ، والدعم الجوي والاستخباراتي المكثف، بهدف تحقيق تأثير نوعي دون الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد.

غير أن هذا التصور، رغم ما يبدو عليه من “ضبط” في الحجم والأهداف، يواجه واقعًا ميدانيًا معقدًا. فإيران ليست ساحة عمليات تقليدية يمكن احتواؤها بسهولة، بل هي بيئة جيوسياسية ذات عمق استراتيجي، تمتلك قدرات دفاعية متراكمة، وشبكة علاقات إقليمية قادرة على توسيع نطاق المواجهة. وهذا ما يجعل أي تدخل بري—even لو بدأ محدودًا—عرضة للتحول إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم بمسارها.

في هذا الإطار، يبرز منطق “الرد بالمثل” كأحد المحركات الأساسية للتصعيد. فحين تُبنى الاستراتيجيات على مبدأ موازنة الفعل بالفعل، يتحول الصراع إلى سلسلة متواصلة من التفاعلات، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت معادلة ردع دون الظهور بمظهر الطرف المتراجع. إلا أن هذا المنطق، رغم ما يتيحه من إحساس مؤقت بالتوازن، يحمل في داخله قابلية دائمة للانفلات، لغياب سقف واضح يحد من التدرج التصعيدي.

ومع تصاعد الخطاب السياسي والعسكري، تتغير طبيعة الإدراك لدى الأطراف المتنازعة. فبدل النظر إلى المواجهة باعتبارها نزاعًا يمكن احتواؤه أو إدارته، يبدأ التحول نحو تصورها كصراع ذي طابع وجودي. وهذه النقلة في الوعي تمثل لحظة فارقة، إذ تفتح المجال أمام تبرير خيارات كانت تُعدّ سابقًا خارج نطاق المقبول، وتُضعف القيود التي كانت تضبط سلوك الأطراف.

في موازاة ذلك، يتسع نطاق التداخل الإقليمي والدولي. فالصراع لم يعد محصورًا بين طرفين رئيسيين، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، لكل منها حساباته الخاصة. وفي كثير من الأحيان، لا تتطابق هذه الحسابات مع متطلبات الاستقرار، بل قد تدفع نحو مزيد من التصعيد أو إعادة تشكيل موازين النفوذ.

ولا يمكن إغفال الدور المتنامي للحرب الإعلامية في هذا السياق. فمع تضخم الخطاب الموجّه، وتراجع الشفافية، يصبح من الصعب الوصول إلى صورة دقيقة لما يجري على الأرض، خاصة فيما يتعلق بحجم الخسائر البشرية والمادية. وهذا الغموض لا يكتفي بإرباك الرأي العام، بل يساهم أيضًا في إطالة أمد الصراع، عبر خلق بيئة ملائمة لاستمرار التصعيد.

أما الكلفة الحقيقية، فتظهر تدريجيًا في بنية الدول والمجتمعات. فالحروب الحديثة لا تقتصر على استهداف القدرات العسكرية، بل تمتد لتطال البنى التحتية والخدمية، من شبكات الطاقة والمياه إلى المرافق الصحية والنقل. ومع تراكم هذه الأضرار، تدخل الدول في حالة إنهاك عميق، تتراجع فيها قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، ويزداد فيها الضغط على الاستقرار الداخلي.

وفي ظل هذا المسار، تتراجع أيضًا قدرة القوى الكبرى على التحكم الكامل بإيقاع الصراع. فكلما طال أمد المواجهة، أصبحت أكثر تعقيدًا واستقلالًا عن الإرادات الخارجية، وتحوّلت إلى ديناميكيات ذاتية يصعب ضبطها أو توجيهها وفق حسابات تقليدية.

وسط هذه الصورة المعقدة، يبرز عامل الوعي المجتمعي كمتغير مهم، وإن كان بطيئًا في تشكّله. فمع تصاعد الكلفة الإنسانية، تبدأ المجتمعات بطرح أسئلة جوهرية حول جدوى الصراعات المفتوحة، وحدود القرار الوطني، وثمن الارتهان للمواجهات المستمرة. غير أن هذا الوعي، رغم أهميته، لا يتحول تلقائيًا إلى قوة تغيير، ما لم يُترجم إلى مشروع سياسي يعيد ترتيب الأولويات على أسس أكثر توازنًا.

في المحصلة، لا تقف المنطقة أمام مجرد تصعيد عابر، بل أمام لحظة إعادة تعريف لقواعد الصراع نفسها. فبينما قد ترى بعض القوى في التلويح بالخيار البري وسيلة لإعادة ضبط الردع، فإن المخاطرة تكمن في أن يتحول هذا التلويح إلى خطوة فعلية تفتح الباب أمام مواجهة لا يمكن التنبؤ بمداها أو نتائجها.

وهكذا، يبقى المشهد معلقًا بين مسارين متناقضين: مسار يكرّس منطق الفعل ورد الفعل، بما يحمله من استنزاف طويل الأمد، ومسار آخر يسعى إلى إعادة الاعتبار للدور السياسي كمدخل لتفكيك الأزمات، ووضع حد لدورات التصعيد التي أنهكت المنطقة لسنوات طويلة.