
وهم الدور الصيني في الحروب الإقليمية… قراءة تفكيكية في خطاب يتجاوز الواقع.
في كل موجة تصعيد إقليمي يتصل بالشرق الأوسط، يظهر خطاب متكرر يبحث عن “قوة كبرى خفية” تقف خلف المشهد، وكأن الفاعلين المحليين والإقليميين غير كافيين لتفسير التعقيد القائم. ومن بين أكثر هذه الفرضيات تداولًا في بعض التحليلات الإعلامية، فكرة وجود دور مباشر أو عسكري لـ الصين في أي صراع يرتبط بإيران، وهي فرضية تبدو للوهلة الأولى منسجمة مع منطق الاستقطاب الدولي، لكنها تتهاوى سريعًا عند اختبارها بالوقائع.
العلاقة بين الصين وإيران، رغم تطورها في السنوات الأخيرة، لا تخرج عن إطار الشراكة الاقتصادية والسياسية المحدودة المصالح. فالصين تنظر إلى إيران باعتبارها عنصرًا مهمًا في معادلة الطاقة والأسواق، بينما تسعى إيران إلى الاستفادة من العلاقات مع بكين لتخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات. لكن هذا التداخل لا يرتقي إلى مستوى تحالف عسكري، ولا يضع الصين في موقع الطرف المنخرط في إدارة أو تمويل أو تنفيذ العمليات العسكرية.
الخلل في فرضية “الدور الصيني العسكري” لا يكمن فقط في ضعف الأدلة، بل في تجاهل طبيعة الاستراتيجية الصينية نفسها. فالصين، منذ عقود، تبني نفوذها العالمي على قاعدة مختلفة تمامًا عن القوى التقليدية الغربية، تقوم على التوسع الاقتصادي، وضبط التوترات، وتجنب الانخراط في الحروب الخارجية المباشرة. هذه ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي جوهر النموذج الصيني في إدارة مصالحه الدولية.
إن إدخال الصين كفاعل عسكري في أي حرب مرتبطة بإيران يتجاهل حقيقة أن بكين تدرك تمامًا تكلفة الانخراط في نزاعات بعيدة جغرافيًا ومعقدة سياسيًا. فمثل هذا الانخراط لا يهدد فقط مصالحها التجارية الواسعة، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع توازنات دولية لا تسعى إلى استفزازها أو كسرها.
من جهة أخرى، فإن هذا النوع من التحليلات غالبًا ما ينشأ من ميل تفسيري نحو “تدويل” كل صراع إقليمي، أي البحث عن لاعب عالمي خلف كل حدث محلي. هذا الميل يختزل الواقع ويقلل من شأن الفاعلين الإقليميين أنفسهم، وكأنهم مجرد أدوات في يد قوى بعيدة، بينما الحقيقة أن معظم الحروب والتوترات في المنطقة تُدار بدوافع محلية وإقليمية معقدة، تتداخل فيها المصالح الأمنية والسياسية والطائفية والاقتصادية.
حتى في مستويات التعاون بين الصين وإيران، لا توجد مؤشرات على انتقال العلاقة إلى مستوى التحالف العسكري. فالتنسيق بين الطرفين، حين يحدث، يبقى ضمن الأطر الدبلوماسية أو الاقتصادية أو في أفضل الحالات ضمن تفاهمات سياسية عامة، دون أي التزام صيني بالدخول في مواجهات أو دعم عمليات قتالية.
كما أن السياسة الخارجية الصينية تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في عدم التدخل في النزاعات المسلحة الخارجية، وهو مبدأ حافظت عليه بكين رغم توسع نفوذها العالمي. هذا المبدأ ليس شعارًا نظريًا، بل جزء من حسابات دقيقة تتعلق باستقرار الداخل الصيني، واستمرار النمو الاقتصادي، وتجنب استنزاف الموارد في حروب لا تخدم الأولويات الاستراتيجية المباشرة.
في ضوء ذلك، يبدو الحديث عن دور صيني عسكري في أي حرب مرتبطة بإيران أقرب إلى بناء سردية سياسية منه إلى تحليل واقعي. فهو يعتمد على الربط بين علاقات اقتصادية من جهة، وافتراضات أمنية من جهة أخرى، دون المرور عبر الجسر الحقيقي الذي يفصل بين التعاون الاقتصادي والانخراط العسكري، وهو جسر لا تزال الصين بعيدة عن عبوره.
في النهاية، لا يمكن فهم تعقيدات المنطقة عبر البحث عن “فاعل خفي شامل”، بل عبر تفكيك طبقات الواقع نفسها. فالصين ليست لاعب حرب في هذه المعادلة، بل لاعب اقتصاد عالمي يحسب خطواته بدقة شديدة، وإيران ليست مجرد ساحة مفتوحة لتصفية حسابات دولية، بل دولة تتحرك ضمن شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية. وبين هذا وذاك، يبقى التبسيط المفرط أخطر من الغموض نفسه، لأنه يمنح الوهم مظهر الحقيقة.