
وهم الهندسة الخارجية لقيادة إيران:
لم تكن الرهانات الأمريكية على تغيير موازين السلطة في إيران جديدة، لكنها في عهد الرئيس دونالد ترامب اتخذت شكلاً أكثر حدة ووضوحاً. فقد اعتمدت واشنطن سياسة ضغط قصوى ظنت أنها قادرة على إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني من الداخل، وربما التأثير حتى في مسألة من سيخلف المرشد الأعلى. كانت الفكرة تقوم على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تُحدث تصدعات داخل النظام، تسمح لقوى مختلفة بإعادة ترتيب معادلة السلطة.
غير أن التجربة أثبتت مرة أخرى أن الأنظمة التي نشأت في ظروف صراع طويل طورت آلياتها الخاصة للبقاء. فالجمهورية الإسلامية التي أسسها روح الله الخميني لم تكن مجرد نظام حكم تقليدي يمكن كسره بالعقوبات أو بالعزلة السياسية. إنها بنية مؤسساتية معقدة تتداخل فيها السلطة الدينية مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتتحكم بها شبكات نفوذ متماسكة قادرة على امتصاص الضغوط الخارجية.
في هذا السياق، جاء اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية ليشكل ضربة واضحة لتلك الرهانات. فبدلاً من أن تفتح الضغوط الخارجية الباب أمام تحولات داخلية عميقة، انتهى الأمر إلى ترسيخ استمرارية النظام ذاته، وإن بوجوه جديدة. لقد بدا وكأن السلطة في طهران أعادت إنتاج نفسها بهدوء، بعيداً عن السيناريوهات التي رسمها صناع القرار في واشنطن.
الأمر لا يتعلق فقط بشخص المرشد الجديد، بل بطبيعة النظام الذي استطاع منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن يربط شرعيته السياسية بآليات داخلية يصعب اختراقها من الخارج. فمؤسسة القيادة العليا ليست مجرد منصب، بل هي محور شبكة من المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية التي تحافظ على توازن دقيق بين القوى داخل الدولة.
لقد افترضت الاستراتيجية الأمريكية أن الضغط الاقتصادي سيُضعف تماسك هذه الشبكة، وأن النخب الحاكمة ستنقسم تحت وطأة العقوبات. لكن ما حدث عملياً هو العكس: إذ دفعت الضغوط الخارجية تلك النخب إلى مزيد من التكاتف، باعتبار المواجهة مع الخارج مسألة بقاء للنظام لا مجرد خلاف سياسي عابر.
وهنا يظهر الخطأ البنيوي في كثير من السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فالتعامل مع الأنظمة المعقدة بمنطق الضغط الأحادي يتجاهل حقيقة أن هذه الأنظمة غالباً ما تستمد قوتها من قدرتها على تحويل التهديد الخارجي إلى عامل توحيد داخلي.
من هذه الزاوية، لم تكن النتيجة مفاجئة بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من سوء التقدير. فالرهان على أن الضغوط ستحدد من يقود إيران كان في جوهره رهانا على معادلة غير واقعية.
في النهاية، أثبتت التجربة مرة أخرى أن مسألة القيادة في طهران تُحسم داخل دوائرها الخاصة، لا في مراكز القرار في واشنطن. أما محاولات رسم مستقبل إيران من الخارج، فغالباً ما تتحول إلى مجرد توقعات لا تصمد أمام تعقيدات الواقع السياسي الإيراني.