
وهم الحرب… حين يتكلم الآمنون ويُسحق الأبرياء:
لم تعد المواجهة تقتصر على استهداف مواقع عسكرية تقليدية، بل امتدت لتطال شرايين الحياة نفسها: الطاقة، النقل، الاقتصاد، وكل ما يبقي الدولة قائمة. حين تُضرب هذه الأعصاب، لا يكون الهدف مجرد رسالة عسكرية، بل إحداث شلل شامل ينعكس فورًا على حياة الناس اليومية.
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة منظومة قوة هائلة: انتشار بحري عابر للقارات، تفوق استخباراتي يعتمد على تكنولوجيا متقدمة، وقدرات ضرب دقيقة بعيدة المدى، مدعومة بإنفاق عسكري يفوق التصور. هذه ليست مجرد قوة ردع، بل آلة قادرة على إحداث انهيار سريع في أي بنية تحتية تُستهدف.
لكن وسط هذا المشهد، يبقى المواطن العادي هو الحلقة الأضعف. لا يقرر، ولا يختار، ومع ذلك يدفع الثمن كاملًا: اقتصاد ينهار، خدمات تتعطل، عملة تفقد قيمتها، ومؤسسات تعليمية وصحية تتآكل. الحياة اليومية تتحول إلى صراع مستمر من أجل البقاء، حيث يصبح كل يوم عبئًا إضافيًا على كاهل مجتمع منهك.
المفارقة المؤلمة أن هناك من يشجع هذا التصعيد من مسافات آمنة، خلف الشاشات، بعيدًا عن أي خطر حقيقي. يرفعون شعارات الحرب وكأنها عرض إعلامي، ويهاجمون كل صوت يحاول تذكيرهم بأن الواقع ليس كلمات ولا وسومًا، بل دم وخسارة ومعاناة لا تُحتمل. ضجيجهم عالٍ، لكنه فارغ من أي تجربة أو إحساس حقيقي بثمن ما يدعون إليه.
لو كان لهؤلاء أن يقتربوا خطوة واحدة من الميدان، لرأوا الحقيقة كما هي: مدن تتغير ملامحها، وحياة تُسلب بلا إنذار. حينها فقط، قد يدركون أن الحرب ليست فكرة تُتداول، بل كارثة تُعاش، وأن التباهي بها من بعيد ليس إلا وهمًا يخفي جهلًا قاسيًا بحقيقتها.