
وهمُ “حصار إيران البحري”… حين يُعاد رسم الجغرافيا على مقاس السياسة لا على مقاس الواقع.
تُطرح بين الحين والآخر فكرة تبدو للوهلة الأولى جذّابة في الخطاب السياسي: أن “حصار إيران بحريًا” يعني تلقائيًا خنق الخليج العربي كله، وأن إغلاق البحر على إيران سيحوّل المنطقة إلى دائرة نار تشمل الجميع بلا استثناء. لكن هذه الفكرة، رغم انتشارها، تقوم على خلطٍ بين الجغرافيا السياسية والانطباع الدعائي، وتتجاهل حقائق صلبة لا تتبدل بالشعارات.
أول ما يجب تفكيكه هنا هو مفهوم “الحصار البحري”. أي حصار بحري على إيران لا يعني إغلاق كل منافذها الحيوية بالضرورة، بل يتعلق أساسًا بالممرات البحرية المفتوحة على العالم، وفي مقدمتها الخليج العربي وبحر عُمان. وهنا تحديدًا يكمن مركز الثقل الحقيقي للاقتصاد الإيراني والتجارة الدولية المرتبطة به.
لكن القول إن هذا الحصار “يعني حصارًا لكل دول الخليج” هو قفز فوق الواقع. دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك منفذًا بحريًا مباشرًا على الخليج العربي وبحر عُمان، إضافة إلى ارتباطها الكامل بالمحيط الهندي عبر طرق شحن مفتوحة لا تعتمد على الموانئ الإيرانية أصلًا. بمعنى آخر: إغلاق أو تضييق الخناق على حركة إيران البحرية لا يتحول تلقائيًا إلى إغلاق مماثل على جيرانها، بل يعيد توزيع المخاطر لا أكثر.
ثم هناك نقطة غالبًا ما تُستخدم بطريقة انتقائية: إيران ليست دولة محاصرة جغرافيًا بالكامل. فهي تطل على بحر قزوين عبر موانئ شمالية استراتيجية. صحيح أن بحر قزوين مغلق لا يطل على محيطات العالم، لكنه يفتح لإيران نافذة على روسيا وآسيا الوسطى، أي أنه منفذ إقليمي مهم لكنه ليس بديلًا عن التجارة العالمية البحرية. ومع ذلك، وجوده وحده يفنّد فكرة “الخنق الكامل”.
أما الحديث عن أن إيران ترتبط بريًا مع دول عدة، فهو صحيح من حيث الجغرافيا: إيران تتصل بحدود برية مع العراق، تركيا، أرمينيا، أذربيجان، تركمانستان، أفغانستان وباكستان. لكن السؤال الجوهري هنا ليس عدد الدول، بل نوعية الاقتصاد المنقول برًا مقارنةً بحجم التجارة البحرية العالمية. التجارة البرية، مهما توسعت، لا تُلغي مركزية الممرات البحرية في الاقتصاد الدولي.
يبقى العنصر الأكثر حساسية في المعادلة هو مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية. أي اضطراب فيه لا يضر إيران وحدها، بل ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، بما فيها أسواق دول الخليج نفسها، بحكم الترابط العضوي في صادرات النفط والغاز وسلاسل التأمين والشحن.
لكن من هنا تحديدًا يبدأ التضليل في الفكرة المطروحة: الخلط بين “تأثر النظام الإقليمي” و“تطابق الضرر”. نعم، أي تصعيد في الخليج يخلق موجة ارتدادات تشمل الجميع، لكن ليس الجميع في مستوى التأثر نفسه، ولا في طبيعة الانكشاف نفسها. فالدول الخليجية تعتمد على ممرات متعددة، وتحظى بدعم شبكات لوجستية وتأمينية دولية واسعة، بينما تتحمل إيران العبء الأكبر من أي قيود بحرية مباشرة على صادراتها.
إذن، من المتضرر الأكبر؟
الجواب ليس شعاريًا ولا عاطفيًا: المتضرر الأكبر هو الطرف الذي تعتمد بنيته الاقتصادية والتجارية على منفذ واحد أو شبه وحيد، وعلى شبكة نقل تواجه قيودًا مالية وتأمينية وتقنية أشد تعقيدًا. بينما الأطراف الأخرى، رغم تأثرها، تظل ضمن منظومة تجارية عالمية أكثر تنوعًا ومرونة.
الخلاصة أن فكرة “حصار إيران يعني حصار الخليج” ليست سوى تبسيط مخلّ لواقع شديد التعقيد. الجغرافيا لا تُعاد كتابتها وفق الرغبة السياسية، ولا تتحول الموانئ إلى أبواب متطابقة التأثير بمجرد رفع شعار. ما يحدث في البحر لا يُغلق كل الشواطئ بالتساوي، بل يعيد توزيع الكلفة… وغالبًا، لا يدفع الجميع الفاتورة نفسها.