
وجوه تتبدل… وظلّ لا يتغير:
في كل مرحلة من تاريخ المجتمعات التي تتعثر في طريقها نحو التعافي، لا يكون التحدي الأكبر في ما فقدته، بل في ما تعيد إنتاجه بوجوه مختلفة، تتبدل الشعارات نعم، وتُرفع رايات جديدة نعم، لكن البنية العميقة التي تحكم السلوك تبقى قادرة على التكيف مع كل موجة، وكأنها تتقن فنّ البقاء أكثر مما تتقن فنّ التغيير.
في خضم هذا التحول، يظهر نوع من الخطاب الذي يختبئ خلف الهويات، كما أن تعلن كيفما اتفق قولا أو ممارسة أو صورة بأنك مسلم وتنتمي لجماعة احمدنا التي تشكلت في سورية في أعقاب مسرحية انتصار الثورة على النظام البائد، فقد صرنا معوكلماتٌ تُقال بارتجال محسوب، تحمل في ظاهرها التزاماً عميقاً، لكنها في جوهرها لا تتجاوز كونها بطاقة تعريف تُستخدم عند الحاجة، عندها يتحول الانتماء من قيمة داخلية إلى أداة خارجية، ومن التزام أخلاقي إلى وسيلة للعبور نحو موقع أو سلطة، ومن هنا يبدأ الخلل الحقيقي، حين يصبح الانتماء بديلاً عن الكفاءة، ويُستبدل العمل الحقيقي بإجادة الحضور الرمزي، اقصد أنه في العهد الماضي ربما كان أن تكون بعثيا فهو من سيسهل لك أن التحق مثلا بأي من الكليات العسكرية، أما بعد السقوط والصعود المريبان فصار لا أن تكون مسلما وسنيا بل جهاديا ومن جذور إرهابية...
عموماً:
المؤسسات التي تُبنى على هذا الأساس لا تصمد طويلاً، لأنها تعتمد على الولاء أكثر مما تعتمد على القدرة، وعلى الانطباع أكثر مما تعتمد على الإنجاز، ومع الوقت، يتسرب الإحباط إلى القاعدة، ويشعر الناس أن الجهد لا يُكافأ، وأن الطريق إلى المواقع لا يمر عبر الاستحقاق، بل عبر الانتماء أو القرب أو القدرة على التكيف مع المزاج السائد...
تتكرر ذات القاعدة في كل مرحلة، حين تغيب المعايير الواضحة، تتكاثر المبررات، وحين تغيب العدالة في الفرص، يتسع المجال للتبرير الذاتي، ومع تراكم هذه الحالة، يبدأ المجتمع بفقدان ثقته ليس فقط بالمؤسسات، بل بفكرة النجاح نفسها، يصبح النجاح مشكوكاً فيه، والكفاءة محل تساؤل، بينما يُحتفى بالقدرة على التلون والتكيف...
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل،كون كل تحول يحمل في داخله بذور تصحيح، وكل مرحلة مضطربة تفتح نافذة لإعادة التفكير. هناك دائماً أفراد يختارون طريق العمل الصادق، ويصرّون على أن الكفاءة ليست ترفاً، بل ضرورة، وهناك من يؤمن بأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الأعلى فقط، بل من شبكة العلاقات الصغيرة التي تشكل نسيج المجتمع...
لذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال أشخاص بآخرين، بل في استبدال القيم التي تحكم طريقة الاختيار، فالدولة التي تسعى للاستقرار لا يمكن أن تقوم على الثقة الشخصية وحدها، ولا على الولاء المجرد، بل على منظومة متكاملة تضع الكفاءة في قلب القرار، وتمنح الفرص لمن يستحقها دون وسطاء...
وفي النهاية:
تبقى الحقيقة الأهم أن أي مجتمع لا يستطيع أن ينهض مرتين على نفس الأسس التي أسقطته أول مرة. التغيير لا يكون حقيقياً إلا إذا مسّ الجذور، لا القشور. أما الاكتفاء بتبديل الأسماء مع الإبقاء على المنطق ذاته، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، وبلغة مختلفة، لكن بالنتيجة نفسها.