
ورثة البسطار :
لم تبدأ الحكاية يوم ظهرت صور الابن إلى جانب الأب، ولا حين تحولت الجمهورية رسميًا إلى إرث عائلي يُسلَّم كما تُسلَّم مفاتيح بيتٍ قديم، لقد كانت الكارثة أقدم من ذلك بكثير.
لقد بدأت فعليًا يوم سقطت القنيطرة قبل أن تصلها القوات الإسرائيلية، ويوم خرج البلاغ 66 كأنّه إعلان مبكر عن ولادة زمنٍ جديد في سورية:
زمن تُهزم فيه البلاد، لكن السلطة تبقى،
وزمن يصبح فيه الحفاظ على الكرسي أهم من الحفاظ على الأرض نفسها.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الخراب حادثة عابرة، بل صار منهجًا كاملاً يُبنى بصبر وقسوة وهدوء...
ثم جاءت السنوات التالية لتُكمل بناء الأسطورة الرسمية، شيئًا فشيئًا ارتفع الرجل فوق الدولة، وفوق الحزب، وفوق الجيش، حتى صار الوطن يُختصر في صورة واحدة وصوت واحد وشعار واحد: “قائد المسيرة”، وكان هذا في خلال المؤتمر القطري الخامس الاستثنائي الذي ابتدع فكرة "قائد المسيرة" حيث هيأ الأجواء لهذا اللواء العماد طلاس الذي كان وزير دفاع حافظ الأسد الان الحرب بينما كان رئيس أركان الجيش اللواء يوسف شكور وهو رجل مهني بكل معنى الكلمة، بالمناسبة كان من اهلنا مسيحيي منطقة جسر الشغور...
اعود للشعار وأقصد ( قائد المسيرة) الذي كان يبدو للبعض مجرد مبالغة دعائية مألوفة في أنظمة الحكم العربية، لكنه في الحقيقة كان الإعلان الرسمي عن إلغاء فكرة الجمهورية نفسها.
فحين يتحول الوطن إلى “مسيرة”، ويتحول الحاكم إلى “قائد” أوحد لها، يصبح الشعب مجرد جمهور يمشي خلف الصورة، لا مواطنين يملكون حق الاعتراض أو المشاركة أو الاختيار...
هكذا:
بدأت سورية تنتقل تدريجيًا من دولةٍ فيها سلطة، إلى سلطةٍ تبتلع الدولة...
ولأن:
الأنظمة التي تُبنى على الخوف لا يكفيها الولاء السياسي وحده، فقد كان لا بد من إعادة تشكيل الجيش نفسه، لا باعتباره مؤسسة وطنية، بل باعتباره العمود الفقري للعائلة القادمة...
( هناك تحديدًا بدأت الجريمة الأعمق )...
إذ لم يكن الهدف بناء جيش يحمي الحدود، بل بناء طبقة عسكرية تدين ببقائها وامتيازاتها للرجل وأبنائه ومن سيأتي بعدهم، جيش يرى في الحاكم قدرًا، وفي الوريث استمرارًا طبيعيًا للقدر ذاته...
ولهذا لم يكن الحديث عن “التوريث” الذي ظهر لاحقًا مفاجأة كما ظن كثيرون، لأن التوريث كان قد بدأ قبل عقود، لكن بصيغة غير معلنة...
لقد بدأ هذا في أوائل التسعينات لما أعلن عن اول دورة سميت بـ ( ضباط قياديون مهندسون ) من وقتها بدأ علنا تحويل الضباط أبناء كبار الشخصيات في الدولة وغالبا كانوا من يشغلون مواقع عسكرية وأمنية، نعم جرى تحويل الضابط منهم من موظف في دولة إلى تابع داخل سلالة سياسية...
قال لي احد اصدقائي ممن كانوا طلاب ضباط مجندون لكنهم جميعا مهندسون عن تلك الزيارة التي جمعوا بها كلهم في إحدى القاعات، في وقت كانت السلطة المتجسدة بالقائد الأوحد حافظ الأسد والبقية كانوا ( خزمتجية ) كما يقال باللهجة العامية السورية، نعم كانت السلطة تستعد لتصنيع رجال المرحلة المقبلة...
تلك القاعة التي شهدت حديثا دلل على أنه لايهم من هو الأكفأ، بل المهم من هو الأكثر قابلية للذوبان داخل شبكة المصالح الجديدة...
عرضت الامتيازات على الطلاب المجندين واذكر أنهم كلهم مهندسين وقدّ قدمت اي الامتيازات بشكل ( بكج ) كامل يضمن مستقبلًا مضمونًا كـ :
رتب سريعة، بيوت جاهزة،سيارات، نفوذ، وأبواب مفتوحة داخل الدائرة المغلقة...
لكن الثمن الحقيقي لم يكن مكتوبًا على الورق وهو :
- أن يتحول الضابط إلى شريك في حماية النظام لا الوطن...
- وأن يصبح الدفاع عن العائلة دفاعًا عن المصير الشخصي ذاته...
وهكذا، بينما كان السوري العادي يظن أن الجيش مؤسسة للدولة، كانت الدولة نفسها تُعاد صياغتها داخل الجيش على صورة العائلة الحاكمة...
كان حافظ الأسد يدرك أن القوة وحدها لا تكفي لصناعة حكم طويل، وأن الخوف وحده لا يبني استمرارية، لذلك صنع طبقة كاملة من المنتفعين الذين يرتبط مستقبلهم ببقاء النظام، لا لأنهم يؤمنون به، بل لأن سقوطه يعني سقوط عالمهم كله، ومن هنا وُلد
“ورثة البسطار”...
لم يكونوا مجرد ضباط، بل أبناء منظومة كاملة تربّت على فكرة أن البلاد ملكية خاصة مؤجلة الإعلان،
وحين جاء وقت التوريث الكبير، لم يحتج النظام إلى إقناع مؤسساته كثيرًا، لأن الجمهورية كانت قد ماتت منذ زمن بعيد، ولم يبقَ سوى إعلان الوفاة الرسمي...
عندها فقط فهم السوريون أن المسألة لم تكن توريث ابن لأبيه فحسب، بل توريث وطن كامل لشبكة واسعة من الورثة والحراس والسماسرة الذين تربّوا لعقود داخل الظل...
ولهذا لم تكن الكارثة في انتقال السلطة من الأب إلى الابن فقط، بل في أن سورية كلها كانت قد أُعيد تشكيلها لتقبل ذلك الانتقال وكأنه أمر طبيعي...
وهنا تكمن الجريمة الأشد قسوة:
- أن نظامًا كاملًا لم يكتفِ بمصادرة الحاضر...
- بل عمل بصبر طويل على مصادرة المستقبل نفسه، وتحويل شعب كامل إلى رعايا داخل مزرعة اسمها الجمهورية العربية السورية.