
يا قاتل يا مقتول المنطقة على مفترق الصدام الطويل:
في قلب الشرق الأوسط، تبدو الحرب اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: صواريخ تقصف المدن، طائرات تهدر في السماء، ومجازر متنقلة تطال المدنيين في صيدا وبيروت والبقاع، بينما تُستعمل الحروب النفسية والمناشير التحريضية لتغذية الفتنة الداخلية. كل هذه المعطيات، رغم الضمانات الدولية الجزئية، تصنع واقعاً مؤلماً: لا بصيص أمل في توقف سريع للصراع، ولا خط واضح للمستقبل إلا عبر قوّة الميدان.
إيران، بعد أسبوعين من المواجهة، أثبتت أنها لم تنهزم ولا تُرهب. الحرس الثوري بات يدير المواجهات بتفويض مباشر من المرشد الأعلى، وقيادة طهران أظهرت استعدادها لحرب طويلة، قادرة على امتصاص الضربة الأولى والرد بحكمة وعزم. الرسائل الأميركية، مهما تصاعدت التهديدات أو توالت التحذيرات، لم تُحدث أي تغيير في مواقفها. حتى مضيق هرمز والجزر الإيرانية أصبحت نقاط قوة استراتيجية، ورقة ضغط تجعل أي محاولة أميركية – إسرائيلية للخطف السريع للمعركة بلا جدوى.
على الضفة الأخرى، يزداد التوتر الأميركي والإسرائيلي: تعزيزات عسكرية، وحدات المارينز، استعداد لضرب المنشآت النووية الإيرانية… كل هذه التحركات ترسم مشهداً ينذر بتصعيد إقليمي واسع، لكنها أيضاً تكشف مأزق ترامب ونتنياهو أمام إيران التي تتحكم بأسواق النفط والممرات البحرية الحيوية، وهو مأزق سياسي ينعكس على الداخل الأميركي قبل الانتخابات النصفية.
في لبنان، لا تقل الصورة حدة. كل تهديدات إسرائيل بسحق حزب الله واغتيال قياداته لم توقف صواريخ المقاومة. إدارة الحزب للميدان، وتحسينه لخروقات سابقة، أفشل كل محاولات الطيران والقصف، وجعل القيادات الميدانية بعيدة عن أي استهداف مباشر. الشيخ نعيم قاسم أكد بوضوح أن المقاومة خيار لبنان الوحيد، وأن الكلمة النهائية ستظل دائماً في الميدان، مع استعداد لمواجهة طويلة وصبر محدود أمام العدوان.
حتى على مستوى الوساطات الدولية، مثل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، يتضح تعقيد الواقع: المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بلا مشاركة المكوّن الشيعي تفقد أي مصداقية، والضغوط الأميركية تؤكد أن أي حل لن يكون شاملاً إلا بوجود الأطراف التي تدير المعركة فعلياً على الأرض.
ما يجري اليوم ليس مجرد صراع إقليمي مؤقت، بل لحظة تاريخية تحدد مستقبل المنطقة لعقود. المنطقة الآن على مفترق طريق: إما استمرار المواجهة التي قد تمتد سنوات، أو مفاجآت تفاوضية قد تعيد رسم التوازنات. ولكن حتى الآن، يبدو أن الصدام الطويل هو السيناريو الأقرب، وأن كل طرف مضطر إلى استيعاب قسوة «الواقع الجديد»: حرب لا تعرف رحمة، وعدوان يختبر صمود من يرفض الانكسار.
في هذا المشهد، تصبح المعادلة بسيطة ومروعة: يا قاتل، يا مقتول… والخيارات لكل طرف محدودة، لكن عزيمة الصمود تبدو أكبر من أي تهديد أو قصف.