
يوم الرعب على طرق دمشق والساحل… تفجيرات مأساوية بلا رحمة
في ربيع 1986، كانت شوارع دمشق والطريق الممتد إلى محافظات الساحل السوري تعج بالحياة. حافلات تنقل الركاب المدنيين: أسر تودّع أبناءها، طلاب يسافرون إلى الساحل، شباب يخططون لعطلة قصيرة، وكل شخص يعيش حياته اليومية دون أن يعلم أن التاريخ سيحفر في ذاكرته صفحة سوداء من الرعب والدمار.
13 آذار 1986: التفجير الأول في ضاحية دمشق
في صباح 13 آذاى 1986، وقع الانفجار الأول في ضاحية من ضواحي دمشق، حيث انفجرت شاحنة مفخخة تحت جسر على الطريق السريع. دوي الانفجار هز المدينة، وراح ضحيته نحو 60 مدنيًا وأُصيب نحو 100 آخرين. لم يكن أحد مستعدًا لمشهد الدخان والدماء والأشلاء متناثرة في كل مكان، وسط صرخات الركاب والناس المحيطين بالمكان.
كان يوسف، شاب متجه إلى الساحل، على متن إحدى الحافلات قرب مكان الانفجار، يتحدث مع شقيقه مبتسمًا، وفجأة تحوّلت ابتسامته إلى صرخة ممزوجة بالرعب والدماء والدخان. مسعفون لاحقون وصفوا المشهد قائليْن:
"الدماء في كل مكان، وجوه متناثرة، أمهات يبكين أطفالهن… لم أر شيئًا كهذا في حياتي."
لم تمضِ سوى أسابيع، حتى أواخر نيسان 1986، حيث وقعت سلسلة تفجيرات متزامنة على عدة حافلات مدنية في خمسة مواقع مختلفة داخل دمشق وضواحيها وعلى الطريق المؤدي إلى الساحل السوري. لم يكن الانفجار في حافلة واحدة، بل استهدفت العملية عدة حافلات في نفس الوقت تقريبًا، تحمل المدنيين الأبرياء من دمشق إلى اللاذقية وطرطوس وجبلة.
في تلك اللحظة، تحوّل الطريق إلى ساحة رعب حقيقية:
- الدخان يغطي السماء كثيفًا،
- حافلات محترقة تتحول إلى ركام والركاب في حالة صدمة وذعر،
- صرخات الركاب، الأطفال يبكون، الأمهات تبحث عن أولادهن بلا جدوى.
كان واضحًا أن الاستهداف كان مدروسًا ومخططًا بدقة لإحداث أكبر قدر ممكن من الرعب والفتنة في المجتمع السوري، وضرب النسيج المدني بطريقة وحشية.
بحسب التقارير التاريخية، أسفرت هذه التفجيرات عن:
- في 13 مارس 1986: نحو 60 قتيلًا و100 مصاب.
- في أواخر أبريل 1986: نحو 144 قتيلًا وعشرات المصابين.
ليصل إجمالي عدد الضحايا المدنيين في مارس–أبريل 1986 إلى نحو 204 ضحايا تقريبًا، جميعهم مدنيون أبرياء لم يرتكبوا أي جرم سوى أنهم كانوا في طريقهم للحياة اليومية.
ليلى، أم شابة، فقدت ابنتها ذات السبع سنوات:
"كنت أمسّك بيدها ونتحدث عن عطلة صغيرة على البحر… وفجأة، صوت انفجار هائل، والدماء والدخان حولنا… حاولت الإمساك بها، لكنها اختفت بين الحطام."
محمد، طالب جامعي:
"لم نكن نتوقع أن الطريق الذي نمر به أسبوعيًا سيصبح فخًا للموت… رأيت أصدقاء يموتون أمام عيني، والدماء في كل مكان… هذه ليست حربًا، هذه جريمة إرهابية بلا أي ذنب."
المسعفون شاهدوا:
"الدماء متناثرة، وجوه لا تُرى ملامحها… أمهات يبكين أطفالهن، وأطفال يبحثون عن آبائهم… هذا ليس حادثًا بل جريمة وحشية بحق المدنيين."
الحكومة السورية اعتبرت التفجيرات أعمالًا إرهابية متعمدة ضد المدنيين العزل، مع إشارات إلى تورط جهات سياسية معادية للنظام، ودعم محتمل من النظام العراقي آنذاك. وأعلنت جماعة 17 أكتوبر لتحرير الشعب السوري مسؤوليتها عن بعض التفجيرات، رغم غموض أهدافها الحقيقية.
مهما كانت الدوافع السياسية، تبقى الحقيقة الثابتة: استهداف المدنيين الأبرياء في عدة حافلات متزامنة هو جريمة إرهابية مروعة، تفتقر لأي مبرر إنساني أو أخلاقي، وتهدف إلى زرع الرعب والفتنة في المجتمع.
الشعب السوري ملأ الشوارع بالحزن والغضب، والمساجد والبيوت كانت أماكن للتنديد بالجريمة، مؤكدة رفض أي شكل من أشكال الإرهاب ضد المدنيين. الحكومة شددت على محاسبة المسؤولين قانونيًا وأخلاقيًا، فيما أعربت جهات دولية عن قلقها من استهداف المدنيين الأبرياء وانتهاك القانون الدولي الإنساني.
الطرق التي اهتزت بالانفجارات أصبحت رمزًا للألم، وأسماء الضحايا تتردد في كل بيت سوري. تذكّرنا تلك الأحداث أن الإرهاب عندما يستهدف المدنيين الأبرياء، يترك أثرًا عميقًا في المجتمع والوجدان الإنساني.
تلك التفجيرات المروعة هي إدانة صريحة لكل من يستخدم العنف ضد الأبرياء، وتحذير دائم بأن أي محاولة لزرع الفتنة يمكن أن تتحول إلى كارثة إنسانية.