--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ظِلُّ الجناح الأخير : قراءة في سيرة اللواء محمد الخولي اول مدير لإدارة المخابرات الجوية

Salah Kirata • ٢٨‏/٥‏/٢٠٢٦

39484.jpg

ظِلُّ الجناح الأخير :

قراءة في سيرة اللواء محمد الخولي اول مدير لإدارة المخابرات الجوية...
بحدود ما اعرف بدقة :
بقلم :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات.

لم يكن محمد الخولي من الرجال الذين يدخلون التاريخ عبر الخطب أو الصور أو التصفيق.
كان يدخل إليه من الأبواب الخلفية، بصمتٍ يشبه وقع الأحذية العسكرية في ممراتٍ معتمة قبل الفجر.
رجالٌ مثله لا يُعرفون في الساحات، بل في الملفات المغلقة، والهواتف التي تُرفع في منتصف الليل، والوجوه التي تتغير ملامحها حين يُذكر الاسم همساً.

في قريةٍ معلقة بين جبال الساحل السوري وهدير البحر البعيد، وُلد الطفل الذي سيكبر لاحقاً داخل واحدة من أكثر المؤسسات غموضاً وقسوةً في الشرق الأوسط.
كان الزمن السوري آنذاك مضطرباً؛ انقلابات تتعاقب، حكومات تسقط، وضباط شباب يكتشفون مبكراً أن البلاد لا يحكمها البرلمان بقدر ما تحكمها الثكنات.

دخل محمد الخولي الكلية العسكرية شاباً قليل الكلام، حاد النظرات، شديد الانتباه للتفاصيل.
لم يكن من الضباط الذين يلفتون الأنظار بالبلاغة أو الحضور الصاخب، بل من أولئك الذين يراقبون بصمت، ويحفظون كل شيء.
وحين اختار سلاح الجو طريقاً له، لم يكن يعلم أن ذلك الاختيار سيقرّبه من الرجل الذي سيغيّر وجه سوريا لعقود: حافظ الأسد.

في مطاراتٍ عسكرية محاطة بالأسلاك والرادارات والسرية، بدأت العلاقة بين الرجلين تنمو بهدوء.
كان الأسد يرى في الخولي ما يحتاجه أي قائد يصعد وسط بحرٍ من المؤامرات: الولاء، والانضباط، والقدرة على الصمت.
أما الخولي، فكان يرى في الأسد ضابطاً مختلفاً؛ رجلاً يفكر بالسلطة كقدرٍ لا كمجرد منصب.

وخلال ستينيات سوريا الدامية، حين كان حزب البعث يلتهم أبناءه جناحاً بعد جناح، تعلم محمد الخولي درساً أساسياً:
في هذا البلد، لا يكفي أن تكون قوياً… يجب أن تعرف قبل الجميع من سيسقط غداً.

كانت الاجتماعات السرية تتكاثر، والشكوك تتضخم داخل القيادة العسكرية، والبلاد تتحرك نحو انفجارٍ كبير.
وفي صباح السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970، تحركت الدبابات بهدوء نحو دمشق، وبدأت “الحركة التصحيحية”.

في تلك الساعات، لم يكن محمد الخولي في الصفوف الأمامية أمام الجماهير أو الإذاعات.
كان في المكان الذي يفضله دائماً: خلف الستار.
يتابع الاتصالات، يراقب الولاءات، ويضمن أن السماء — سماء سلاح الجو تحديداً — بقيت تحت سيطرة الرجل الذي قرر أن يحكم سوريا.

وحين استقر الحكم لحافظ الأسد، لم يمنحه قصراً ولا وزارة مدنية ولا منصباً احتفالياً.
أعطاه شيئاً أخطر بكثير: المخابرات الجوية.

في البداية، لم يكن الجهاز أكثر من إدارة مرتبطة بأمن القوات الجوية، لكن محمد الخولي فهم مبكراً أن الأسد لا يريد جهازاً عادياً.
كان يريد عيناً ترى كل شيء، ويداً تصل إلى الجميع.

وهكذا بدأ البناء.

بهدوءٍ بارد، أخذ الرجل يحول المخابرات الجوية إلى إمبراطورية خفية.
ضباطٌ يُزرعون في القواعد العسكرية، تقارير تُكتب عن الجميع، شبكات مراقبة تمتد داخل الجيش وخارجه، وولاءات تُصنع بعناية أشبه بصناعة السلاح.

لم يكن يثق بسهولة.
وكان يؤمن أن الخطر الحقيقي لا يأتي من العدو الخارجي، بل من الضابط الذي يجلس قريباً منك ويبتسم أكثر مما ينبغي.

ومع السنوات، صار اسمه يُذكر في دمشق كما تُذكر العواصف:
لا أحد يراها في البداية، لكن الجميع يشعر بقدومها.

في لبنان، تمددت ظلاله عبر الحرب الأهلية والمتاهات الطائفية والتحالفات السرية.
كانت بيروت بالنسبة لكثيرين مدينةً للحب والفوضى، لكنها بالنسبة لرجال المخابرات كانت ساحة شطرنج مفتوحة.
وهناك، تعلّم السياسيون والميليشيات أن الرجل القادم من دمشق لا يتحدث كثيراً، لكنه يعرف كل شيء.

ثم جاءت الثمانينيات.

سنوات الدم والخوف والانفجارات.
سوريا التي خرجت من حرب تشرين دخلت حرباً داخلية أكثر قسوة.
مدنٌ تغلي، تنظيمات مسلحة تتمدد، واغتيالات تضرب قلب الدولة.

في تلك المرحلة، تحولت الأجهزة الأمنية إلى العمود الفقري للنظام، وتحول محمد الخولي إلى واحد من أكثر الرجال نفوذاً في البلاد.
كان مقتنعاً أن انهيار القبضة الأمنية يعني انهيار الدولة نفسها، ولذلك لم يعرف التردد طريقاً إلى قراراته.

ومع اتساع نفوذه، ازدادت الأساطير حوله.
قيل إنه يعرف أسرار الجميع.
وقيل إن أبواب مكتبه كانت تفتح على ملفات تكفي لإسقاط حكومات.
وقيل أيضاً إن خوف خصومه منه كان يسبقه إلى الغرف.

لكنه، رغم كل ذلك، بقي شبحاً أكثر من كونه رجلاً ظاهراً.

لا مقابلات صحفية.
لا خطابات.
لا حضور جماهيرياً.
كأن حياته كلها صُممت لتُعاش في الظل.

حتى حين أُبعد عن رئاسة المخابرات الجوية في أواخر الثمانينيات، لم يكن ذلك سقوطاً.
فالرجال الذين يعرفون أسرار الأنظمة لا يغادرونها بسهولة.
انتقل إلى قيادة القوات الجوية، وظل قريباً من مركز القرار، كأن الدولة التي ساهم في بنائها لم تعد تعرف كيف تعمل من دونه بالكامل.

ومع مرور الزمن، بدأ الجيل القديم يتراجع ببطء.
ضباط الستينيات والسبعينيات صاروا رجالاً شابت وجوههم وأثقلتهم ذاكرة الانقلابات والحروب والسجون والصفقات السرية.

لكن محمد الخولي بقي حتى سنواته الأخيرة يحمل الصورة نفسها:
رجلٌ آمن أن القوة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الخوف أكثر فاعليةً من الخطب، وأن الدول التي تولد من الانقلابات لا يحرسها سوى رجالٍ يشبهونه.

وحين رحل، لم يخرج الناس إلى الشوارع للبكاء عليه، ولم تُرفع صوره في الساحات.
لكن كثيرين، داخل سوريا وخارجها، كانوا يعرفون أن اسماً كاملاً من تاريخ الدولة الأمنية السورية قد أُغلق أخيراً.

اسمٌ عاش طويلاً في الظل…
لكنه ترك ظله فوق بلدٍ كامل.