--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ظل الحبر والدم

Salah Kirata • ٥‏/٣‏/٢٠٢٦

8161.jpg

ظل الحبر والدم:

في صيف ١٩٨٠، كانت بيروت تغرق في صمت الحرب الأهلية، ولكن صمت المدينة لم يكن كافيًا لإخفاء صدى الصراعات الكبرى التي تمتد إلى ما وراء الحدود. سليم اللوزي، الصحفي اللبناني المعروف بمجلته “الحوادث”، عاد من لندن إلى بيروت، وعيناه تلمعان بالحزن والحنين، حاملاً أخبار والدةٍ فارقت الحياة قبل أيام. لم يكن يدرك أن هذه العودة ستكون الأخيرة.

سليم، الذي ولد في طرابلس عام ١٩٢٢، قضى عمره بين الصحافة والمخابرات، بين القاهرة ودمشق وبيروت، صانعًا من الحبر سلاحًا أقوى من الرصاص أحيانًا. مجلة الحوادث، التي أعاد إصدارها بتمويل مصري وبغطاء استخباراتي، لم تكن مجرد صحيفة؛ كانت صرخة سياسية، وسلاحًا يوجّه أصابع الاتهام إلى الأنظمة المستبدة، وبالأخص إلى دمشق تحت قيادة حافظ الأسد.

في الأيام الأخيرة، تصاعدت حدة مقالاته. لم تعد مجرد تحليلات سياسية؛ كانت انتقادات حادة، وصلت حد الوصم بالوحشية لعائلة الأسد العلوية، وانتقادات صريحة للرئيس حافظ الأسد نفسه. كل مقال كان يوقّع بصوت الحبر، لكن كأن الصدى وصل إلى من لا يريد سماع الحقيقة.

قبل عشرة أيام من اختطافه، حذّرته مصادر عدة، منها منظمة التحرير الفلسطينية، من التوجه إلى بيروت. لكن عزاء والدته كان أقوى من التحذيرات. في صباح الرابع من آذار، بينما كان يهمّ بالسفر إلى لندن، توقف على حاجز للقوات السورية قرب مطار بيروت. لم يرَ أحد آخر وجهه إلا رجال الظل الذين كانوا يراقبونه منذ أيام.

بعد أيام قليلة، عثر أحد الرعاة على الجثة في منطقة عرمون جنوب بيروت. مشهد لم يسبق أن شهده لبنان: جسد ملقى على بطنه، رصاصة في الرأس اخترقت الدماغ وحطمت الجمجمة، اليد اليمنى مسلوخة حتى المرفق، والأصابع متفحمة بفعل الأسيد، والمؤخرة محشوة بأقلام حبر بشكل مقزز.
أما الخبر الصادم الآخر، فقد جاء بعد خمسة أيام؛ إذ عُثر على الراعي الذي اكتشف الجثة مقتولًا في نفس الموقع، بالقرب من موقع للقوات الخاصة السورية، وكأن صدى الجريمة يتكرر لتؤكد أن لا أحد في هذه الحرب محمي، حتى من يرفع راية الحقيقة بالحبر.

في تلك اللحظة، كانت بيروت تئن تحت وطأة الخوف. مدينة تمزقها الحرب، لكنها لم تكن مستعدة بعد لمعرفة حجم شبكة القتل السياسي التي تمتد إلى عواصم عربية أخرى. ظل الحبر والدم لم يكن مجرد قصة عن صحفي قتل من أجل كلماته؛ كان تحذيرًا صارخًا لكل من يجرؤ على مواجهة القوى العميقة في دمشق، تحت حكم حافظ الأسد، حيث السياسة تكتب أحيانًا بالرصاص أكثر من الحبر.