--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ظل النهر الدموي

Salah Kirata • ٢٣‏/٢‏/٢٠٢٦

الجسر-القديم-في-جسر-الشغور-3.png
“ظل النهر الدموي”

كانت جسر الشغور في مطلع ثمانينات القرن العشرين مدينة يخيّم عليها سحر الريف السوري البسيط: نهر العاصي يمر من قلبها، والأطفال يلعبون على ضفافه، وأصوات الباعة تتردد في الأزقة الضيقة للسوق. كانت المدينة تتنفس حياةً عادية، لكنها كانت تحمل في طياتها غضباً كامناً. غالبية سكانها من العرب السنة، فلاحين وباعة وحرفيين، يعيشون حياة بسيطة، لكنهم يشعرون بالظلم المتزايد نتيجة المركزية والقمع، وارتفاع الأسعار، واستفحال الفساد الإداري.

كان السوق الأسبوعي بالنسبة لأهالي المدينة أكثر من مجرد مكان للشراء والبيع: كان نقطة التقاء للأخبار، ومنبرًا للحديث عن السياسة والضرائب، عن رغيف الخبز وأسعار القمح والزيتون، وعن الشائعات التي تقول إن العاصمة ترسل مزيداً من الجيش لمراقبة كل مدينة “تتمرد”. وكثيرون في الأزقة القديمة يتذكرون أن الناس كانوا يتهامسون عن المظاهرات في قرى الريف، ويحذرون بعضهم من الحديث بصراحة.

الأسباب المباشرة للمجزرة بدأت من احتجاجات صغيرة، لم تتجاوز الشعارات والهتافات في الساحات المفتوحة. بعض الشباب حاول تنظيم لقاءات سرية في منازلهم، يناقشون الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ويرسمون خططاً لرفع مطالب بسيطة: تخفيف الضرائب، تحسين البنية التحتية، الحد من فساد بعض المسؤولين المحليين. لكن هذه الاجتماعات السرية لم تمر دون أن تنتبه لها الأجهزة الأمنية.

في صباح يوم ربيعي من عام 1980، استيقظت المدينة على أصوات غير مألوفة: دبابات تجتاح الطرقات، ورشاشات ثقيلة تُسمع من كل زاوية، وصرخات الناس تتردد بين البيوت. كان الجيش والأمن قد حاصرا المدينة بالكامل، وكل من حاول الخروج أو الاختباء كان معرضاً للرصاص أو الاعتقال الفوري.

الدمار كان سريعاً وشاملاً. البيوت الطينية في الأحياء القديمة انهارت تحت القصف، الأسواق أحرقت، والمخابز توقفت عن العمل، تاركة آلاف الناس بلا خبز. بعض العائلات اختبأت في القبو أو تحت الأرضيات، لكن الرصاص لم يميز بين الأطفال والنساء والرجال. وفق تقديرات لاحقة، قتل بين 2000 و5000 شخص، أغلبهم من المدنيين العزل، فيما اختفى آخرون قسرياً، ولم يعد لهم أثر.

لكن ما لا يعرفه كثيرون من الجيل الحالي هو أن المدينة لم تكن مجرد هدف عشوائي، بل كان لها دور رمزي بالنسبة للنظام: رسالة لكل مدينة سورية تُفكر في مقاومة السلطة. الجريمة لم تكن فقط القتل، بل أيضاً تفكيك الروابط الاجتماعية: العائلات تشردت، أصدقاء الطفولة أصبحوا في أماكن مختلفة، والمتاجر التي كانت مركز الحياة الاقتصادية أغلقت إلى الأبد.

من بين تلك الأسر، تبرز قصة عائلة الحاج يوسف، الذين فقدوا الأب والأخ الأكبر، ونجت الأم مع ثلاثة أطفال في مأوى تحت الأرضية. تحكي الأسرة اليوم كيف كانوا يسمعون أصوات الرصاص والانفجارات تختلط بصرخات الجيران، وكيف تركت المجزرة أثرها النفسي العميق على الأجيال التالية. كثير من الناس اليوم في جسر الشغور لا يعرفون أسماء الضحايا بدقة، لكن ذاكرة المدينة لم تنس. الأزقة القديمة التي لعب فيها الأطفال أصبحت شاهدة على صمت ثقيل، وأشجار الزيتون التي كانت شاهدة على حياتهم اليومية تحمل ذكرى الألم.

ظل النهر الدموي، كما أصبح الناس يصفونه لاحقاً، لم يكن مجرد مجزرة، بل درساً قاسياً عن حدود الحياة اليومية أمام آلة القمع. ومع ذلك، ظل أهل المدينة ينهضون تدريجياً، يحاولون إعادة بناء حياتهم، بينما تُبقى الذاكرة حية، تحكي للجيل الجديد عن الرعب الذي اجتاح المدينة، وعن العائلات التي دُمرت، وعن ظل النهر الذي حمل دماء الأبرياء ولم يغسلها التاريخ بسهولة.