--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ظل الطائرة: اللواء ناجي جميل والصراع الخفي داخل السلطة

Salah Kirata • ٢٣‏/٢‏/٢٠٢٦

454773959_3855316221382919_1250304595725991610_n-253x300.jpg

ظل الطائرة: اللواء ناجي جميل والصراع الخفي داخل السلطة السورية

في قلب دمشق، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، كانت العاصمة السورية مدينة تتحرك بين الظاهر والخفي، بين السلامة والتهديد، بين الولاء والخيانة. شوارعها القديمة، مبانيها الحكومية المزخرفة، والقصر الجمهوري على تل أبي رمانة، كلها كانت مسرحًا لصراع مستمر على النفوذ داخل الجيش، حيث كانت الولاءات تتحول بين ليلة وضحاها، والأسرار تُجمع وتُستغل ضد أصحابها.

في هذا المشهد المظلم، برز اللواء ناجي جميل كواحد من أبرز الضباط في القوات الجوية، شخصية لم يخشَ قول الحقيقة، ولم يقبل الانصياع للحماقات التي رآها من قيادة النظام. كان ناجي رجلًا يجمع بين الكفاءة العسكرية والفكر الاستراتيجي، يعرف خبايا الجيش، يقرأ مراكز القوة، ويتوقع تحركات النظام قبل أن تحدث.

عام 1981، بدأت تتسرب إلى كبار رجال حافظ الأسد معلومات عن مخطط محتمل للانقلاب على الأسرة الحاكمة. الأسماء التي وردت في تلك التسريبات، كان من بينها ناجي جميل، الذي اتُهم بأنه يمكن أن يقود التغيير العسكري في حال نشوب أزمة. النظام استجاب بسرعة، فاعتقل ضباطًا كبارًا في القوات الجوية، وسقط بعضهم في ظروف غامضة، بينما انتشرت إشاعات بأن ناجي قد قضى عليه، في محاولة لإخفائه وإرباك خصومه.

لكن النظام، الذي أتقن فن التمثيل السياسي، لم يكتفِ بإخفاء ناجي، بل حاول استخدام هذه المسرحية لتثبيت هيمنته. بعد 24 ساعة من انتشار الإشاعات عن وفاته، ظهر اللواء ناجي جميل على شاشات التلفزيون السوري، واقفًا بجانب حافظ الأسد، محاطًا بمجموعة من كبار الضباط. كان المشهد رسالة مزدوجة: تهديد ضمني للآخرين، وتحذير لأي ضابط يفكر في تحدي السلطة، وفي الوقت ذاته تأكيد على وجود ناجي داخل منظومة الجيش رغم كل الشائعات.

الشهود من الداخل، بمن فيهم حبيب حداد، وزير الإعلام السوري الأسبق، أشاروا إلى التوتر الدائم بين حافظ الأسد وناجي جميل. حافظ، الذي كان يخطط لتغيير مراكز القوى العسكرية بزعم الاستعداد لاستعادة الجولان، كان يرى في ناجي تهديدًا كامنًا. أما ناجي، فقد لم يكن يخفي رأيه، فقد تحدث في لقاءات شخصية عن انتقاداته للسياسات العسكرية والسياسية للنظام، ووصلت به الجرأة إلى أن يطرح نفسه كخليفة محتمل للحافظ، بل كان يخطط لإدارة سوريا لفترة قصيرة قد تصل إلى عامين في حال نجح مخطط الانقلاب الذي كان يحمله في ذهنه.

خلال هذه الفترة، كانت دمشق تعج بالتحركات السرية. اجتماعات ضباطية مغلقة في أجنحة القصر العسكري، اتصالات عبر رموز مشفرة بين مراكز القيادة، ورصد دقيق لكل خطوة تقوم بها القوات الجوية. ناجي جميل كان يتنقل بحذر، يعرف أن كل قرار صغير يمكن أن يكون سببًا في انهيار حياته المهنية وحتى حياته الشخصية.

اللواء لم يكن مجرد ضابط، بل كان رمزًا للمقاومة داخل المؤسسة العسكرية، رجلًا رفض أن يكون أداة في أيدي السلطة المطلقة لعائلة الأسد. كان يتقن فن التواصل مع ضباط آخرين، يختبر ولاءهم، ويقيّم نواياهم، ويبني شبكة من الدعم غير الرسمي داخل الجيش. هذه القدرة على التحليل والسيطرة على المعلومات جعلته شخصية استثنائية، حيث لم يستطع النظام التخلص منه بسهولة، حتى عندما كانت التهديدات بالإقصاء أو الإعدام تحيط به من كل جانب.

الضغوط لم تقتصر على الجيش فقط، بل امتدت إلى الحياة اليومية. مراقبة مستمرة، تحركات محدودة، اجتماعات تحت إشراف الحرس، وكل خطوة محسوبة بعناية. ومع ذلك، نجح ناجي في الحفاظ على موقعه داخل القوات الجوية، محافظًا على قدرته على التأثير رغم القيود.

وتشير التقارير السورية إلى أن اللواء ناجي جميل لم يُقتل كما أشيع، بل عاش بعيدًا عن الأنظار حتى عام 2014، شاهداً على واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ سوريا العسكري والسياسي. ترك خلفه إرثًا من الجرأة والوعي العسكري، جسد فيه الصراع بين الولاء للنظام والالتزام بالمبادئ العسكرية والأخلاقية، وترك بصمة لا تُمحى في الذاكرة التاريخية للجيش السوري.