
ظلال على جدران دمشق:
لم تكن دمشق، في تلك السنوات الثقيلة، مدينةً تُرى كما كانت تُحَسّ. كانت تُلمس كجرحٍ مفتوح، تُشمّ كرائحة غبارٍ عالق في الذاكرة، وتُسمع كهمسٍ خافتٍ يخشى أن يتحول إلى صرخة. كل شيء فيها بدا وكأنه يتحرك تحت السطح؛ كأن المدينة لم تعد تسكنها الحياة، بل شبكة خفية من الأيدي التي تعيد تشكيلها وفق منطقٍ لا يشبهها.
في قلب هذه الشبكة، كان هناك رجل لا يظهر كثيراً، لكنه حاضر في كل قرار. لم يكن بحاجة إلى رفع صوته، فسلطته كانت تُفهم دون كلام. علاقاته كانت كفيلة بأن تضعه فوق المساءلة، كأن القانون نفسه يقف على بابه منتظراً الإذن. لم يكن يحكم المدينة بصفته الرسمية فقط، بل بصفته جزءاً من نسيجٍ عائليٍّ وسياسيٍّ معقد، يمنحه حصانة غير مكتوبة، لكنها أشد صلابة من أي نص.
حول هذا المركز، بدأت تتشكل دوائر النفوذ. رجالٌ من زمنٍ مضى، وآخرون من زمنٍ جديد، لكنهم جميعاً فهموا القاعدة ذاتها: دمشق لم تعد مدينة للسكن، بل فرصة. فرصة لإعادة توزيع الملكية، لإعادة تعريف من يملك الأرض ومن يُطرد منها، ومن يبقى شاهداً صامتاً.
لم يكن الصراع بينهم دائماً خفياً. أحياناً كان يظهر كتنافسٍ شرس، كصراع على قطعةٍ من المدينة، على حيٍّ، على مشروعٍ، على صفقةٍ. لكن هذا الصراع لم يكن يهدد المنظومة، بل كان جزءاً من حيويتها. كانوا يختلفون ليعيدوا الاتفاق بشكلٍ أكثر ربحاً.
وفي الظل، كانت هناك طبقة أخرى، أقل ظهوراً، لكنها أكثر تأثيراً. رجال لا تُعرف أسماؤهم خارج المكاتب المغلقة، ومحامون يكتبون ما لا يجب أن يُكتب، ومهندسون يحوّلون المخالفات إلى تقارير رسمية، كأن الورق قادر على تغيير الحقيقة. كانوا يعيدون صياغة الملكية، لا بالخرائط فقط، بل بالسجلات، بالأختام، بالتواقيع التي تُولد فجأة وتمحو ما قبلها.
الأحياء القديمة بدأت تفقد ملامحها، ليس بفعل الزمن، بل بفعل قراراتٍ بدت وكأنها تأتي من مكانٍ لا يُرى. مبانٍ تُهدم لأنها “متعبة”، وأراضٍ تُفرغ لأن “المصلحة العامة” تقتضي ذلك، وسكان يجدون أنفسهم أمام خيارين: الرحيل بصمت، أو مواجهة آلة لا تُرى، لكنها تُحسّ في كل تفصيل.
كان الضغط يتسلل ببطء. خدمات تختفي، ماء ينقطع، كهرباء تتأخر، طرق تُهمل. لم يكن الأمر عشوائياً، بل بدا وكأنه جزء من خطةٍ صامتة، تدفع الناس إلى اتخاذ القرار بأنفسهم: المغادرة. وعندما يغادرون، تكون الأرض قد أصبحت جاهزة لمرحلة جديدة، مرحلة الاستثمار.
وفي تلك المرحلة، تظهر الشركات. بعضها بأسماء صغيرة، غير معروفة، لكنها تتحرك بثقةٍ كبيرة، كأنها تعرف أن الطريق ممهد لها. تستلم المشاريع، تسيطر على المواقع، وتبدأ بإعادة رسم المكان. خلفها، دائماً، من يضمن استمرارها، ومن يبرر وجودها، ومن يكتب التقارير التي تجعل كل شيء يبدو قانونياً.
لكن ما لم يكن يُكتب في أي تقرير، هو الخوف. ذلك الخوف الذي كان ينتشر بين الناس كعدوى صامتة. لم يكن خوفاً من قرارٍ واحد، بل من منظومة كاملة. من فكرة أن الاعتراض قد لا يغيّر شيئاً، بل قد يفتح باباً لا يُغلق.
وهكذا، تحولت المدينة إلى ما يشبه رقعة شطرنج، لكن دون قواعد واضحة. اللاعبون يتحركون بحرية، والقطع تُستبدل، والمربعات تُعاد تسميتها. أما الناس، فكانوا يشاهدون، أو يُبعدون عن الرقعة، قطعةً بعد قطعة.
وفي النهاية، لم يكن السؤال من يربح، بل ماذا تبقى من دمشق نفسها. هل ما زالت مدينةً تُروى قصصها في الأزقة، أم أصبحت مشروعاً يُعرض في ملفات الاستثمار؟ هل ما زالت ذاكرة، أم مجرد مساحة قابلة لإعادة البيع؟
كانت الإجابة، ككل شيء في تلك السنوات، غير مكتملة… لكنها ثقيلة بما يكفي لتُفهم دون أن تُقال.