
ظلال الأسد فوق دمشق:
لم تكن دمشق في تلك السنوات مدينةً تنام. كانت تبدو هادئة من الخارج، لكن تحت حجارتها العتيقة كان الخوف يتحرك مثل تيارٍ خفيّ، يمرّ بين الثكنات العسكرية وغرف الاجتماعات الحزبية والممرات الطويلة في مباني الأمن. كل شيء كان يوحي بأن البلاد تسير نحو زمنٍ مختلف، زمنٍ لن تُحكم فيه سورية بالشعارات التي رفعتها ثورة البعث، بل بشبكة معقدة من الولاءات والرهبة والدم.
في عام 1964، صعد اسم حافظ الأسد بسرعة داخل المؤسسة العسكرية حتى أصبح قائداً للقوى الجوية برتبة لواء. كان ضابطاً قليل الكلام، يراقب أكثر مما يتحدث، ويخفي خلف ملامحه الباردة طموحاً لا حدود له. بعد فترة قصيرة، أُعلن أنه تعرض لإصابة في ظهره إثر هبوط اضطراري لطائرته، وتم إرساله إلى بريطانيا للعلاج. رافقه عدد من الضباط، بينهم ناجي جميل، وهناك حدث ما أثار كثيراً من الأسئلة داخل دمشق.
استُقبل حافظ الأسد في لندن بطريقة استثنائية، حتى إن وزير المستعمرات البريطاني استقبله بنفسه، وهو أمر لم يكن مألوفاً مع ضابط سوري في ذلك الوقت. في اليوم التالي اختفى الأسد عن مرافقيه لعدة أيام، وعندما عاد قدّم تفسيرات غامضة عن لقاءات مع “أصدقاء ومعارف”. داخل القيادة السورية ارتفعت أصوات تطالب بالتحقيق معه، لكن صلاح جديد تدخّل بقوة لحمايته، معتبراً أن المسألة لا تستحق التصعيد.
غير أن الشك كان قد بدأ يتسلل إلى النفوس.
وفي عام 1965، انفجر الخلاف داخل القيادة القطرية لحزب البعث. وقف بدر جمعة في اجتماع داخلي حاد واتهم حافظ الأسد صراحة بالخيانة والارتباط بجهات أجنبية، ثم صفعه أمام الحاضرين في لحظة صدمت الجميع. لم ينسَ الأسد تلك الإهانة أبداً، وبعد سنوات قليلة، حين أصبحت السلطة كلها بيده، كان بدر جمعة واحداً من الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم.
ثم جاء حزيران 1967، العام الذي انكسرت فيه سورية ومعها العالم العربي كله. كانت الجبهة السورية تعيش حالة ارتباك شديدة، وفي التاسع من حزيران أعلن وزير الدفاع حافظ الأسد البيان العسكري رقم 66، الذي تحدث عن سقوط مدينة القنيطرة قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية فعلياً بساعات طويلة. انتشر الذعر بين الجنود والسكان، وبدأ الانسحاب الفوضوي من الجبهة.
وزير الصحة السوري الذي كان موجوداً في القنيطرة اتصل بدمشق نافياً سقوط المدينة، لكن حافظ الأسد رفض الاستماع إليه بعصبية شديدة. أما رئيس الأركان أحمد سويداني، فقد اتهم الأسد بشكل مباشر بأنه يتحمل مسؤولية ما حدث، وبدأ صراع خفي بين الرجلين انتهى لاحقاً باعتقال سويداني لسنوات طويلة، بينما صعد مصطفى طلاس ليصبح الرجل الأقرب إلى الأسد داخل المؤسسة العسكرية.
بعد الهزيمة بقليل، وقف الرائد سليم حاطوم أمام محكمة عسكرية سريعة لم تستغرق سوى وقت قصير، ثم صدر حكم الإعدام بحقه ونُفذ بسرعة قبل وصول وفد من جبل العرب كان يسعى للتدخل. كان ذلك مؤشراً واضحاً إلى أن السلطة الجديدة لا تمنح خصومها وقتاً للدفاع ولا فرصة للنجاة.
وفي عام 1969، اهتزت دمشق على خبر وفاة عبد الكريم الجندي، رئيس مكتب الأمن القومي وأحد أقوى رجال البعث. الرواية الرسمية تحدثت عن انتحاره، لكن الشكوك بقيت تطارد الحادثة. بعد أيام، نشرت صحيفة النهار اللبنانية رسالة منسوبة لعبد الكريم الجندي يتهم فيها حافظ الأسد بالخيانة والعمالة ويطالب بمحاكمته. لم تمضِ أيام حتى اغتيل سائقه، ثم توفيت زوجته، المنتمية إلى عائلة مندو المعروفة، بعد لقاء جمعها بحافظ الأسد. تحولت الحادثة إلى واحدة من أكثر ملفات تلك المرحلة غموضاً ورعباً.
وفي أيلول 1970، عندما اندلعت المواجهات الدامية في الأردن بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية، قررت القيادة السورية التدخل دعماً للفلسطينيين. دخل اللواء المدرع السبعون الأراضي الأردنية، لكن حافظ الأسد، بصفته وزير الدفاع وقائد القوى الجوية الفعلي، رفض منح القوات السورية غطاءً جوياً. تُركت الدبابات السورية مكشوفة أمام الطيران المعادي، وتعرضت لخسائر كبيرة أجبرت القوات على الانسحاب. بالنسبة لكثير من الضباط، لم يكن ما حدث مجرد خلاف عسكري، بل خيانة كاملة لجنود أُرسلوا إلى الموت.
بعد أشهر قليلة، نفذ حافظ الأسد انقلابه المعروف باسم “الحركة التصحيحية”، وأطاح بصلاح جديد ونور الدين الأتاسي وزجّ بهما في السجون حتى الموت. منذ تلك اللحظة بدأت سورية تدخل عهد الدولة الأمنية المطلقة.
وفي حرب تشرين 1973، عاد الجولان ليكون مسرحاً للغموض والأسئلة. خلال الأيام الأولى للحرب، صدرت أوامر بالانسحاب لبعض الوحدات، لكن العميد الركن عمر الأبرش رفض تنفيذها واتهم القيادة بالخيانة. بعد فترة قصيرة قُتل الأبرش في ظروف غامضة، وقيل إنه انتحر، بينما جرى التخلص لاحقاً من العقيد رفيق حلاوة الذي كان شاهداً على ما جرى. أما القوات العراقية التي دخلت الجبهة السورية لحماية دمشق، فقد وجدت نفسها مكشوفة بعد قرار وقف إطلاق النار.
وفي عام 1974، وخلال مفاوضات فض الاشتباك، عقد حافظ الأسد لقاءات منفردة مع وفود أمريكية بعيداً عن أعين كثير من المسؤولين السوريين، وبدأت تتسع الشكوك حول طبيعة التفاهمات التي جرت في الكواليس.
ثم جاء لبنان.
في عام 1976، دخل الجيش السوري إلى لبنان تحت شعار حماية الاستقرار، لكنه وجد نفسه يقاتل الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط. تحالفت القوات السورية مع القوى الانعزالية اللبنانية، ودخلت المخيمات الفلسطينية في مواجهات دموية طويلة. كان كثير من العرب يرون المشهد بذهول: جيش رفع راية المقاومة أصبح يقاتل الفلسطينيين أنفسهم.
وعندما اغتيل كمال جنبلاط عام 1977، وُجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى النظام السوري بسبب موقف جنبلاط المعارض للتدخل السوري في لبنان.
في الثمانينيات، دخلت سورية مرحلة أكثر قسوة. بعد تحذيرات عن محاولات انقلاب داخل الجيش، شنّ حافظ الأسد حملات اعتقال وإعدام طالت عشرات الضباط. وفي الوقت نفسه، اختار التحالف مع إيران ضد العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، وفتح الأراضي والأجواء السورية لدعم طهران، ما أحدث شرخاً عميقاً في العالم العربي.
ثم جاءت كارثة لبنان عام 1982. أُمرت بعض الوحدات السورية بالانسحاب في ظروف غامضة، بينما دخل الطيارون السوريون معارك جوية غير متكافئة مع إسرائيل انتهت بسقوط أعداد كبيرة من الطائرات خلال أيام قليلة. كان كثير من الطيارين يدركون أنهم يواجهون تكنولوجيا لا يملكون القدرة على مجاراتها، لكن الأوامر صدرت، وكان عليهم التنفيذ.
وفي عام 1990، شاركت سورية بقيادة حافظ الأسد ضمن التحالف الدولي ضد العراق في حرب الخليج، في خطوة اعتبرها كثيرون انقلاباً كاملاً على الشعارات القومية التي حكمت خطاب النظام لعقود.
ومع تقدّم العمر بحافظ الأسد، بدأت تتكشف روايات عن اجتماعات سرية واتصالات مع شخصيات دولية نافذة، وعن شبكة معقدة من العلاقات السياسية والأمنية التي حكمت المنطقة من خلف الستار. حتى اللقاءات التي جمعته برؤساء أمريكيين مثل ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر وبيل كلينتون بقيت محاطة بكثير من الغموض والأسئلة.
لكن وسط كل ذلك، بقي السوريون وحدهم يدفعون الثمن.
أمهات ينتظرن أبناءً لم يعودوا من السجون، ضباط اختفوا بلا أثر، مدن تحولت إلى أماكن خائفة، وشعب كامل تعلّم أن يصمت كي يبقى حيّاً.
وهكذا، لم يعد اسم حافظ الأسد مجرد اسم رئيس حكم سورية لثلاثة عقود، بل أصبح رمزاً لمرحلة كاملة اختلطت فيها السلطة بالخوف، والهزائم بالأسرار، والشعارات الوطنية بملفات لا تزال حتى اليوم تثير الرعب والأسئلة.
كان التاريخ السوري في تلك العقود أشبه بليلٍ طويلٍ فوق دمشق… ليلٍ لم ينتهِ تماماً حتى الآن.