
الأمان… كما رأيته في عيون الآخرين.
الأمان لا يُقاس بقوة الأكتاف، بل بصدق القلوب… جملةٌ كانت تمرّ عليّ كفكرةٍ جميلة تصلح للقراءة، أكثر من كونها حقيقة تُختبر في الحياة. كنت أظنّ أن الأمان يُبنى بالحضور القوي، وبالهيبة، وبما يفرضه الإنسان من حدودٍ حوله، حتى بدأت الحياة نفسها تعيد صياغة هذا المفهوم بهدوء، من دون ضجيج.
في غير مرة، ومن غير صديقٍ محدد أو صديقة بعينها، كنت أسمع كلماتٍ متشابهة تتكرر وكأنها خرجت من مصدرٍ واحد: أن وجودي بينهم يوحي بالأمان. لم أكن أتوقف كثيرًا عندها في البداية، كنت أبتسم وأعتبرها مجاملة عابرة، أو لطفًا اجتماعيًا يمرّ كما تمرّ الكلمات الجميلة التي لا نختبر عمقها.
لكن شيئًا ما تغيّر حين اقترب وقت السفر. لم تعد الكلمات تُقال على سبيل المجاملة، بل صارت تُقال بصوتٍ فيه شيء من القلق، وكأنها رغبة مكشوفة لا تخجل من نفسها. سمعتها بوضوح، هذه المرة، بصيغةٍ مختلفة تمامًا؛ صيغة رجاء وصدق وارتجاف خفيف: ألا أسافر.
لم يكن الطلب متعلقًا بالسفر ذاته، بل بما يعنيه الغياب. قيل لي إن غيابي لن يكون مجرد رحيل شخص، بل غياب إحساسٍ كامل بالأمان. كأن وجودي لم يكن حضورًا عابرًا في المكان، بل حالةً نفسية يستند إليها الآخرون دون أن يعلنوا ذلك.
وقفت عند هذه الجملة طويلًا. شعرت لأول مرة أن “الأمان” ليس ما نظنه في القوة أو السيطرة، بل في الطمأنينة التي يتركها الإنسان في قلوب من حوله من دون أن يدري. وأن بعض الناس لا يُقاس تأثيرهم بما يقولونه، بل بما يختفي من العالم حين يغيبون.
حينها فقط فهمت أن الأمان الذي يُبنى في القلوب، لا يحتاج إلى قوة أكتاف، بل إلى صدق حضور. وأن ما كنت أظنه مجاملة، كان في الحقيقة شهادةً خفية لم أكن أراها.