--:--
بريطانيا وفرنسا تضعان اللمسات الأخيرة على قيادة مهمة دولية لإزالة الألغام في مضيق هرمز
العالم

العقل وحده لا يركع

نُشر في ٤‏/٦‏/٢٠٢٦، ٢:٥٧:٣٠ م

42820.png


العقل وحده لا يركع

منذ أن بدأت أعي العالم من حولي، تعلّمت أن أحبّ الإنسان دون أن أرفعه فوق إنسانيته، أحببت والديّ وقدّرت فضلهما، وأجللت المعلّمين الذين أناروا دروبي، واحترمت أصحاب المواهب والعظماء الذين تركوا أثرًا في التاريخ، وحتى حين تأملت سير الأنبياء والرسل والقديسين والمصلحين، لم أستطع أن أرى في أحدٍ منهم مبرّرًا لتعطيل عقلي أو إغلاق باب السؤال في وجهي، فقد نشأت على قناعة راسخة بأن الاحترام شيء، والتقديس شيء آخر تمامًا، وأن العقل هو القيمة الوحيدة التي لا يجوز للإنسان أن يتنازل عنها لأي إنسان آخر.

ولطالما حيّرني ذلك الميل البشري الغريب إلى صناعة الأصنام المعنوية، فكلما ظهر شخص استثنائي في علمه أو حكمته أو شجاعته أو تأثيره، سارع كثيرون إلى إخراجه من دائرة البشر ووضعه في مقام يتجاوز النقد والمراجعة، وكأن التميّز لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى نوع من العصمة، وكأن الإعجاب لا يبلغ ذروته إلا عندما يتنازل الإنسان عن استقلاله الفكري لمن يعجب به...

إنني أرى في هذه الظاهرة واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للتأمل؛ فالبشر الذين يرفعون غيرهم إلى مراتب فوق بشرية يظنون أنهم يمارسون الوفاء أو الامتنان، بينما هم في الحقيقة ينتقصون من قيمة الإنسان ذاته، ذلك أن الإنسان لا يصبح عظيمًا لأنه منزّه عن الخطأ، بل لأنه قادر على الإنجاز رغم محدوديته، وعظمته الحقيقية تكمن في كونه بشرًا يخطئ ويصيب، ينجح ويتعثر، ثم يواصل السير. أما حين نخلع عليه رداء الكمال فإننا نسلبه أهم ما فيه: إنسانيته...

ولعل أخطر ما ينتجه التقديس أنه لا يكتفي بتشويه صورة الشخص المقدَّس، بل يمتد ليصيب عقول أتباعه. فالعقل الذي يتعود على تلقي الأفكار من مصدر لا يجوز مساءلته، يفقد تدريجيًا قدرته على الشك والتمحيص. والسؤال، وهو أعظم أدوات المعرفة، يتحول إلى جريمة أخلاقية، عند تلك اللحظة لا يعود الناس يبحثون عن الحقيقة، بل يبحثون عمّن يتكفّل بالتفكير نيابة عنهم...

ولذلك فإن التاريخ الإنساني يكاد يكون سجلًا طويلًا للصراع بين العقل والسلطة الرمزية، فما من فكرة استبدّت بالناس إلا ووجدت حولها هالة من القداسة تحميها من النقد، وما من نهضة حقيقية بدأت إلا عندما امتلك أفراد شجاعة مساءلة ما اعتبره الآخرون حقائق نهائية. فالحضارات لا تتقدم بوجود شخص معصوم، بل بوجود مجتمع يملك الجرأة على مراجعة الجميع، بمن فيهم أكثر الناس مكانة وتأثيرًا...

ومن هنا فإنني لا أنظر إلى التقديس بوصفه مجرد خطأ فكري، بل أراه حالة من التنازل الطوعي عن الحرية الداخلية، فالإنسان الحر ليس من يرفض الاحترام أو ينكر فضل الآخرين، بل من يحتفظ بحقه الكامل في التفكير المستقل مهما بلغت مكانة من أمامه. إنه يقدّر ولا يؤلّه، يستمع ولا يستسلم، ويتعلّم دون أن يتحول إلى تابع...

إن الفضائل لا تسكن الأشخاص بقدر ما تتجلى في أفعالهم، والحق لا يكتسب قيمته من قائلِه، بل من قدرته على الصمود أمام العقل والبرهان، لذلك لا أستطيع أن أؤمن بأن الحقيقة حكر على فرد، أو أن الحكمة يمكن أن تُختزل في صوت واحد مهما بلغ صاحبه من العلم أو المكانة. فالحقيقة أوسع من الجميع، والعقل أكبر من أن يُستأجر لخدمة أحد...

لهذا كله أزداد يقينًا مع مرور السنين بأن أعظم ما مُنح للإنسان ليس القدرة على الاتباع، بل القدرة على الفهم، وأن أشرف أشكال الاحترام هو أن ننظر إلى الناس كما هم:
 بشرًا لا آلهة، ونماذج يُستفاد منها لا أصنامًا تُعبد معنويًا، فحين يتحرر العقل من أوهام الكمال، يصبح أكثر قدرة على رؤية الواقع كما هو، وأكثر استعدادًا لاحتضان التناقض الإنساني بوصفه جزءًا من طبيعة الوجود...

أما أنا:
 فما زلت أؤمن بأن المحبة لا تحتاج إلى تقديس، وأن التقدير لا يستلزم الخضوع، وأن الإنسان يبلغ أسمى درجات كرامته حين يقف أمام الجميع بعقل يقظ وقلب منفتح، لا يركع إلا للحقيقة حيثما وجدها، ولا يمنح قداسة مطلقة إلا لذلك النور الذي أودعه الله في داخله: العقل.