
القدس في صوت فيروز… حين تصبح الأغنية صلاة:
ليست كل الأغنيات مجرد لحنٍ جميل أو كلماتٍ عذبة؛ فبعضها يتحول إلى ذاكرةٍ كاملة لشعبٍ ومدينة. ومن هذا النوع تأتي أغنية القدس العتيقة التي غنّتها بصوتها الشفاف فيروز، وكتب كلماتها ولحّنها الأخوان منصور الرحباني وعاصي الرحباني في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967، حين وقعت القدس تحت الاحتلال...
لم يكتب الرحابنة بياناً سياسياً، بل حكاية إنسانية تمشي في الأزقة. تبدأ الأغنية كأنها مشهد بسيط:
(مريت بالشوارع… شوارع القدس العتيقة)...
قدام الدكاكين… البقيت من فلسطين.
لكن هذه البساطة تخفي ألماً عميقاً؛ فالدكاكين هنا ليست محالاً تجارية، بل بقايا حياةٍ كانت هنا. وفي صورةٍ أخرى يقول النص:
(حكينا سوى الخبرية وعطيوْني مزهرية، قالوا لي هيدي هدية من الناس الناطرين).
المزهرية ليست هدية عابرة، بل رمز انتظارٍ طويل، انتظار أهل المدينة الذين غادروا البيوت ولم يغادروا الذاكرة.
في شعر الرحابنة تتحول القدس إلى كائن حي؛ للنوافذ عيون حزينة، وللبيوت قلوب تنبض. فالمدينة ليست حجارة، بل الأيدي التي بنتها:
(كان في أرض وكان في إيدين
عم بتعمر تحت الشمس وتحت الريح)...
لكن الليل يأتي فجأة في القصيدة، لا كوقتٍ من الزمن بل كلحظة اقتلاع:
( وبليل كلو ليل، سال الحقد في قلب البيوت، والإيدين السودا خلعت البواب)...
ومع ذلك لا تنتهي الأغنية بالبكاء، بل تتحول إلى صرخة ضمير:
(خلي الغنية تصير عواصف وهدير…
يا صوتي ضلك طاير، خبرهن عللي صاير، بلكي بيوعى الضمير)...
هنا يتجلى إيمان الرحابنة بأن الفن ليس ترفاً، بل قوة قادرة على إيقاظ الضمير الإنساني.
لهذا بقيت الأغنية حيّة حتى اليوم، فالقدس فيها ليست عنواناً سياسياً، بل مدينة من البشر والبيوت والذكريات. وعندما يغني صوت فيروز:
(مريت بالشوارع… شوارع القدس العتيقة)
نشعر أن الأغنية لم تكن عن مدينةٍ بعيدة، بل عن ذاكرةٍ عربية مشتركة وكرامة إنسانية تبحث عن طريق العودة.