
اليابان تعود إلى المسرح العسكري… شرق آسيا يدخل زمن التوازنات القلقة
لم تكن مشاركة اليابان في مناورات “باليكاتان” مجرد تفصيل عابر في روزنامة التدريبات العسكرية السنوية في آسيا، بل لحظة سياسية ـ استراتيجية فارقة، تعلن بصمت نهاية مرحلة وبداية أخرى في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لأكثر من سبعة عقود، ظلت اليابان أسيرة معادلة دقيقة: قوة اقتصادية عملاقة، لكن بحضور عسكري مقيد دستورياً وسياسياً وأخلاقياً، نتيجة إرث الحرب وهزيمتها. هذا التوازن، الذي شكّل أحد أعمدة النظام الآسيوي بعد 1945، بدأ اليوم يتعرض لتآكل متسارع.
المشهد الجديد الذي تجلّى في بحر الصين الجنوبي، حيث شاركت قوات يابانية في أدوار قتالية ضمن تدريبات مشتركة، يكشف أن طوكيو لم تعد تكتفي بدور “المراقب المتحفظ”، بل باتت تتحرك ضمن مفهوم أوسع لـ”الأمن الإقليمي النشط”، في لحظة تتغير فيها قواعد اللعبة في المحيط الهادئ.
لا يمكن فصل هذا التحول عن البيئة الاستراتيجية المحيطة. فصعود الصين كقوة عسكرية وبحرية واسعة الانتشار، وتزايد التوتر حول تايوان، أعادا تعريف مفهوم الأمن لدى دول شرق آسيا. لم تعد المسافة الجغرافية ضمانة، ولم يعد الصمت خياراً مطمئناً.
في هذا السياق، تبدو اليابان وكأنها تعيد صياغة دورها التاريخي، ليس بوصفها قوة عائدة إلى النزعة العسكرية التقليدية، بل بوصفها طرفاً يسعى إلى تثبيت توازن ردع جديد، يحد من تفرد القوة الصينية، ويعيد توزيع مراكز الثقل في المنطقة.
لكن هذه المعادلة ليست بلا كلفة. فكل خطوة يابانية نحو توسيع دورها العسكري، تحمل معها حساسية تاريخية عميقة في آسيا، خاصة في الصين وكوريا الجنوبية، حيث الذاكرة لم تندمل بعد من جراح الحرب الإمبراطورية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن لليابان أن تصبح فاعلاً أمنياً أكبر دون أن تستفز ذاكرة إقليمية مثقلة بالشكوك؟
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الأمريكي في هذا التحول. فواشنطن، المثقلة بانتشارها العالمي، تدفع باتجاه توزيع أعباء الأمن على الحلفاء، وهو ما يفسر تشجيعها الضمني لتعاظم الدور الياباني، سواء في الفلبين أو في محيط تايوان.
لكن أخطر ما في المشهد الحالي ليس مجرد سباق تسلح متجدد، بل إعادة تشكيل “لغة الردع” في شرق آسيا. فالمناورات لم تعد مجرد تدريبات، بل رسائل سياسية مباشرة. والتحالفات لم تعد دفاعية فقط، بل أصبحت شبكات ضغط متبادل.
إن دخول اليابان هذا المسار يعني ببساطة أن شرق آسيا يتجه نحو مرحلة جديدة من “التوازن القلق”، حيث تتداخل القوة مع الردع، والدفاع مع الاستعراض، والحسابات التاريخية مع رهانات المستقبل.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المشكلة في صعود قوة جديدة، بل في غياب قواعد واضحة تضبط هذا الصعود. فحين تتحرك الجيوش قبل أن تستقر السياسة، يصبح البحر الهادئ أقل هدوءاً مما يوحي به اسمه.