
أمشي في داخلي كأنني أمشي في الشام الآن…
أنا أقولها ولا أقولها:
بدي روح عالشام، مو لأنها مدينة… بل لأنها شقفة من روحي تركتها هناك ومشيت...
أقف بيني وبين نفسي، وأتساءل كيف يمكن للإنسان أن يعيش كل هذه السنوات، أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وكأن شيئاً منه ظلّ معلّقاً على باب بيت قديم في حارة ضيقة، لم يُغلق تماماً، ولم يُفتح من جديد...
أنا الآن هناك… لا في المكان، بل في الذاكرة التي لا تهدأ..ظ
أرى نفسي أسير في شوارعها كما لو أن الزمن لم يتحرك...
الخطوات هي نفسها، لكن القلب أثقل.
الهواء هو نفسه، لكن في داخلي شيء تغيّر… شيء لا يعود كما كان...
أقول لنفسي:
أنا الذي لم أكن أنام، كنت أظل ساهراً مع عشرات الآلاف… لا لشيء إلا لأن الشام يجب ان تنام بأمان...
كنت أعدّ الليل عليها كما يُعدّ الجندي نبض المدينة، كنت أؤمن أن هناك من يجب أن يبقى مستيقظاً كي ينام الآخرون بطمأنينة...
واليوم:
أقف في الحاضر، وأمشي في الشام بعيون لا تراها، لكني أراها أكثر من أي وقت مضى...
دمشق ليست مدينة في ذاكرتي فقط، بمقدار ماهي امتحان طويل للحنين، فكل زاوية فيها تسألني:
- أين كنت؟..
وكل حجر فيها يردّ عليّ بصمت أعرف معناه جيداً...
أقولها دون ادّعاء:
لم أترك الشام، أنا الذي غادرت، لكنها بقيت تسكنني كما يسكن الضوء نافذة قديمة لا تُغلق...
أنا الآن أعود إليها في الكلام، في الخيال، في هذا النفس الطويل الذي لا ينتهي…
وأقول:
يا شام…
ما زال فيكِ منّي ما يكفي ليجعلني أعود، حتى لو متأخراً… حتى لو بعد كل هذا الغياب.