
أنا هنا… وهناك: وقفةٌ تمتدّ من مدريد إلى دمشق:
أنا هنا، في مدريد، في مساء السادس عشر من نيسان عام 2026، أتنفّس هواء هذه المدينة البعيدة، لكنني أعرف تماماً أن هذا الهواء لا يملأني وحدي. هناك شيء آخر يتسرّب إلى صدري، شيء قادم من جهة الشرق، من مدينة تعرفني كما أعرفها… من دمشق.
غداً، في السابع عشر من نيسان، لن أكون مسافراً بالطائرة، ولن أعبر حدوداً ولا مطارات، لكنني سأغادر بكل ما فيّ. سأترك هذا الجسد في مكانه، كأنه مجرد علامة جغرافية لا أكثر، بينما تمضي روحي ووعيي وذاكرتي نحو تلك الساحات التي تنتظر خطوات أهلها. أشعر أنني سأنقسم بوضوح: حضورٌ مادي هنا، ووجودٌ حقيقي هناك.
أنا لا أشارك من بعيد، بل أذهب بطريقتي. أذهب بفكري الذي تشكّل هناك، وبقلبي الذي تعلّم النبض في شوارعها، وبذاكرتي التي لم تغادرها يوماً. غداً، سأكون واحداً من الواقفين، حتى لو لم يرني أحد. سأقف في مدريد، لكن موقفي سيكون ممتداً حتى دمشق، كخيط غير مرئي يشدّ بين المدينتين.
سأختار نقطة مفتوحة، في ضاحية هادئة من هذه العاصمة، وأثبت قدميّ كما لو أنني أزرعهما في الأرض. لن أتحرّك كثيراً. سأكون أشبه بإشارة صامتة، أو علامة لا تحتاج إلى شرح. الناس سيمرّون من حولي، وقد لا يلاحظون شيئاً، لكنني سأعرف أنني لست وحدي، وأن هذا السكون يخفي ضجيجاً آخر يصلني من هناك.
وإن جاء المطر، أو اشتدّ البرد، أو هبّت الرياح، فلن أراها عوائق، بل جزءاً من المشهد نفسه الذي أرتبط به. سأستقبلها كما لو أنها قادمة من الجبال البعيدة، من نفس المناخ الذي يلفّ تلك الأرض في هذا الوقت من العام. كأن الطبيعة هنا تقرّر أن تشاركني هذا الامتداد.
أنا لا أقف احتجاجاً فقط، بل وقوفي معنى بحد ذاته. وقوفي تأكيد أن المسافة لا تُلغي الانتماء، وأن الجسد ليس الشرط الوحيد للحضور. غداً، سأكون هنا وهناك في آنٍ معاً، ثابتاً في مدريد، ومتحركاً بكل كياني في دمشق.