
أنقرة تؤكد بقاء قواتها في مناطق “نبع السلام” وتستنكر تقارير الانسحاب
أعلنت وزارة الدفاع التركية يوم السبت 7 مارس 2026 أن القوات المسلحة التركية لن تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها نتيجة عملياتها العسكرية في إطار ما يُعرف بـ “عملية نبع السلام” شمال شرقي سوريا، مؤكدة استمرار نشاطها هناك بالتنسيق مع الحكومة السورية الحالية، وذلك في رد واضح على تقارير متداولة خلال الأسابيع الماضية تحدثت عن انسحاب جزئي للقوات التركية من مواقع في تلك المنطقة.
وجاء في بيان الوزارة أن أنباء الانسحاب غير صحيحة وأن القوات التركية لا تزال تؤدي مهمتها ضمن المنطقة المشار إليها، محذرةً من الاعتماد على ما وصفتها بـ “المعلومات المضللة” المنتشرة عبر بعض وسائل الإعلام، وداعية الجمهور إلى الاكتفاء بالبيانات الرسمية فقط.
ويُعد هذا التأكيد التركي واحداً من سلسلة البيانات التي تُظهر تصميم أنقرة على الاحتفاظ بوجودها العسكري في شمال سوريا، وذلك رغم التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، بما في ذلك الاتفاقيات والحوارات المتجددة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وفقًا لتقارير تركية مستقلة، أنقرة لم تضع خطة محددة للانسحاب من سوريا أو العراق، مشددة على أن قرار الانسحاب بيدها وحدها وأنها لا تُراعي ما يقول عنه الآخرون، وأن انسحابها مرهون بتحقيق شروط أمنية خاصة بها مثل تأمين حدودها والقضاء على ما تعتبره تهديدات إرهابية.
تعكس هذه التصريحات نهجًا تركيًا ثابتًا في الإبقاء على وجود عسكري في سوريا منذ إطلاق العملية عام 2019، وهي العملية التي نفذت باسم “نبع السلام” ضد ما تصفه أنقرة بـ “الإرهاب” وخاصة وحدات حماية الشعب الكردية (PYD/YPG)، وتندرج ضمن سلسلة عمليات عسكرية سابقة تقوم بها تركيا على الحدود السورية منذ عام 2016.
السبب وراء هذا الإعلان يُقرأ في سياق تزايد التقارير والتحليلات خلال الأسابيع الماضية التي رجّحت أن القوات التركية قد بدأت تسحب بعض عناصرها من مواقع في شمال شرق سوريا في ظل التطورات الميدانية والتقدّم الذي أحرزته الحكومة السورية وقواتها في مناطق كانت خارج سيطرتها، خصوصًا بعد اتفاقات وقف إطلاق النار وتقارب جزئي في بعض الملفات. وتأتي تصريحات أنقرة لتؤكد على تمسكها بوجودها العسكري كعنصر ضغط واستراتيجي في المفاوضات الإقليمية، لا سيما مع استمرار الخلاف على مستقبل الإدارة الذاتية الكردية وشروط دمجها أو حلّها ضمن المؤسسة الأمنية السورية.
على الجانب الآخر، أظهرت الحكومة الانتقالية في شمال وشرق سوريا – التي تمثل أُطرًا محلية وإدارية منذ السنوات الأخيرة – موقفًا حذرًا وتباينًا في القراءة لهذه التصريحات. إذ تنظر هذه الحكومة إلى الوجود التركي في المناطق التي كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية على أنه ممارسة احتلال غير شرعي يُعرقل عودة الاستقرار الدائم ويُشكّل عائقًا في مسار الحل السياسي الشامل للأزمة السورية. وقد عبّرت في بيانات سابقة عن رفضها لأي بقاء عسكري أجنبي فوق الأرض السورية خارج سيادة الدولة السورية، معتبرة أن مثل هذه الوجودات يُفاقم التوترات ويحدّ من إمكانات إعادة الإعمار والعودة الطوعية للنازحين.
كما يرى مراقبون أن الإصرار التركي على بقاء قواته يتصل بما تعتبره أنقرة “مهددات أمنية على حدودها” واهتمامًا بالحفاظ على نفوذ سياسي في الملف السوري، بينما يرى آخرون أن ذلك يشكّل إحدى نقاط الخلاف المستمرة مع دمشق وإدارة شمال شرق سوريا حول مستقبل المناطق الحدودية، ما يجعل أي حديث عن انسحاب أو تسوية وضع الوجود التركي في سوريا أمرًا معقدًا يتطلب توافقًا إقليميًا ودوليًا واسع النطاق.