
أين المتأسلمون الحاليون من السلف الصالح: أين هم؟ وأين الجواب؟
هذا السؤال ليس مجرد استفهامٍ عن مقارنةٍ تاريخية، بل هو سؤالٌ عن الهوّة بين من جعل الدين سلوكًا رحيمًا متزنًا، وبين من حوّله إلى شعاراتٍ غاضبة تُرفع فوق واقعٍ مضطرب، يُسيء أحيانًا إلى الدين أكثر مما يخدمه.
يروي الناس أن رجلًا مات وهو يشرب الخمر، وأن امرأةً أنهت حياتها حين علمت بحملٍ من علاقةٍ محرّمة، ثم اجتمعت جنازتاهما في مسجدٍ واحد. فسُئل الإمام أبو حنيفة النعمان: أهما في الجنة أم في النار؟
فلم يتجرأ على اقتحام الغيب، ولم ينصب نفسه قاضيًا على مصائر العباد، بل ردّ الأمر إلى الله، مستحضرًا معاني الأنبياء في التسليم:
{فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم}،
{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}،
{إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}.
كان في موقفه هذا درسٌ عميق: أن العدل الإلهي أوسع من أحكام البشر، وأن باب الرحمة لا يُغلقه أحد، وأن الإنسان مهما بلغ من علمٍ أو تقوى لا يملك مفاتيح الجنة والنار.
لكن في واقعنا المعاصر، يظهر من يختصر الدين في أحكام قاسية على الناس، ويوزع صكوك الإيمان والكفر والنجاة والهلاك، وكأنهم يملكون ما لم يملكه أبو حنيفة، ولا الصحابة، ولا حتى الأنبياء في خطابهم للخلق.
وهنا يبرز السؤال: أين من يدّعون تمثيل الدين اليوم من منهج السلف الصالح؟
السلف الذين جمعوا بين العبادة والرحمة، وبين قوة الحق وأدب الخلق، لم يكونوا متعجلين في إطلاق الأحكام على مصائر الناس، بل كانوا أشد الناس حذرًا من التجرؤ على الغيب.
أما حين يتحول الخطاب الديني إلى عنفٍ لفظي أو جسدي، أو إلى تبريرٍ للدم أو التشدد أو الإقصاء، فإننا لا نجد أنفسنا أمام صورة الدين كما جاء به الوحي، بل أمام تأويلات بشرية مضطربة، قد تبتعد عن روح الإسلام القائمة على العدل والرحمة وحرمة الدماء وصيانة الإنسان.
إن أخطر ما يقع فيه الإنسان أن يخلط بين الدين وبين فهمه هو للدين، ثم يرفع فهمه إلى مرتبة اليقين المطلق، فيحاكم الناس بناءً عليه. وليس هذا من منهج العلماء الراسخين في شيء.
ولهذا فإن الموقف الحق ليس في إصدار الأحكام على القلوب والمصائر، بل في وزن الأفعال بميزان العدل، وترك السرائر لله وحده، فهو سبحانه أعلم بعباده، وأرحم بهم من أنفسهم.
في النهاية، تبقى الحقيقة الكبرى ثابتة:
الله وحده هو الذي يحكم بين عباده، وهو أعلم بمن اهتدى ومن ضل، ونحن عبادٌ نقف عند حدودنا، ننتقد الأفعال ونرفض الظلم، لكننا لا نتجاوز مقام العبودية إلى مقام الحكم على المصير.