
في تطور سياسي لافت يعكس محاولات إعادة خلط الأوراق في ملف النووي الإيراني، كشفت مصادر دبلوماسية غربية عن أن قدّمت عرضًا غير مباشر إلى يقضي بتعليق تخصيب اليورانيوم بدرجات مرتفعة خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي السابق ، في حال فاز بانتخابات الرئاسة المقبلة، وذلك مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية الخانقة التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الماضية.
وبحسب التسريبات، جرى تمرير الرسائل عبر قنوات خلفية ووسطاء إقليميين، في محاولة من طهران لاختبار استعداد واشنطن للعودة إلى مسار تفاوضي مختلف عن تجربة الاتفاق النووي السابق، الذي انسحب منه ترمب عام 2018. العرض الإيراني، وإن وُصف بأنه “تكتيكي” أكثر منه تحوّلًا استراتيجيًا، يهدف إلى تجميد التخصيب عند مستويات أقل من العتبة التي تثير مخاوف الغرب من الاقتراب من القدرة العسكرية النووية، مع الإبقاء على البنية التحتية للبرنامج النووي كأداة ضغط تفاوضي.
في المقابل، تعاملت دوائر أميركية مقرّبة من حملة ترمب بحذر شديد مع هذه الإشارات، معتبرة أن أي تفاوض جديد يجب أن يتجاوز الملف النووي ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي لطهران في الشرق الأوسط. كما شددت هذه الدوائر على أن تجربة “الضغط الأقصى” السابقة ستظل جزءًا من أي مقاربة مستقبلية، ما لم تُظهر طهران التزامات قابلة للتحقق دوليًا.
وعلى وقع هذه الرسائل السياسية، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية عن مناورات بحرية مشتركة مع من المقرر إجراؤها يوم الخميس في بحر قزوين ومناطق قريبة من الممرات البحرية الحساسة. وتأتي هذه المناورات في توقيت بالغ الدلالة، إذ تُقرأ في الغرب على أنها رسالة مزدوجة: الأولى تأكيد على أن طهران تمتلك بدائل استراتيجية وتحالفات عسكرية خارج الإطار الغربي، والثانية محاولة رفع سقف التفاوض عبر إظهار القدرة على تعميق الشراكة الأمنية مع موسكو في ظل التوتر المستمر بين روسيا والغرب.
ويرى محللون أن الجمع بين “جزرة دبلوماسية” متمثلة بعرض تعليق التخصيب، و”عصا عسكرية” تتمثل في استعراض القوة إلى جانب روسيا، يعكس أسلوبًا إيرانيًا مألوفًا في إدارة الأزمات: تفاوض من موقع القوة، مع ترك الباب مواربًا أمام التسويات إذا ما توافرت مكاسب ملموسة. كما أن اختيار التوقيت، المتزامن مع احتدام السباق الانتخابي الأميركي، يوحي بأن طهران تراقب عن كثب موازين القوى المحتملة في واشنطن وتحاول استباق أي تحولات سياسية قد تعيد تشكيل مقاربة البيت الأبيض تجاهها.
في النهاية، يبقى هذا العرض الإيراني أقرب إلى مناورة سياسية محسوبة منه إلى اختراق حقيقي في جدار الأزمة النووية. فبين تشدد واشنطن التقليدي تجاه طهران، ورغبة إيران في انتزاع تنازلات دون التفريط بأوراقها الاستراتيجية، تبدو المنطقة مقبلة على فصل جديد من شدّ الحبال الدبلوماسي والعسكري، عنوانه العريض: مفاوضات تحت وقع المناورات، ورسائل سياسية تُرسل على إيقاع هدير السفن الحربية.