--:--
بريطانيا وفرنسا تضعان اللمسات الأخيرة على قيادة مهمة دولية لإزالة الألغام في مضيق هرمز
العالم

بولندا تسعى إلى "فورت ترامب" جديدة: قاعدة أميركية دائمة على حدود روسيا تعيد رسم توازنات أوروبا

نُشر في ٤‏/٦‏/٢٠٢٦، ٢:٣٢:١٢ م


42812.webp
بولندا تسعى إلى "فورت ترامب" جديدة: قاعدة أميركية دائمة على حدود روسيا تعيد رسم توازنات أوروبا

في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية بين وارسو وواشنطن، تقدمت بولندا رسمياً بطلب إلى الولايات المتحدة لإنشاء قاعدة عسكرية أميركية دائمة على أراضيها، في مسعى يعكس قناعة بولندية متزايدة بأن أمن أوروبا الشرقية لا يزال مرتبطاً إلى حد كبير بالمظلة العسكرية الأميركية، رغم الجدل المتصاعد داخل الولايات المتحدة حول حجم الالتزامات الدفاعية تجاه القارة الأوروبية.

وأعلن وزير الدفاع البولندي، فلاديسواف كوسينياك-كاميش، أنه سلم نظيره الأميركي بيت هيغسيث مقترحاً رسمياً لإنشاء قاعدة أميركية دائمة جديدة، مؤكداً أن انخراط الولايات المتحدة في أمن بولندا "لا يتراجع بل قد يزداد". وتأتي هذه المبادرة بعد أسابيع من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه إرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا، في وقت تستضيف فيه البلاد بالفعل نحو عشرة آلاف جندي أميركي بين قوات دائمة وأخرى تعمل بنظام التناوب.

لماذا تصر بولندا على قاعدة دائمة؟

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت بولندا إلى الدولة المحورية في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. فموقعها الجغرافي بين ألمانيا من جهة وروسيا وبيلاروسيا من جهة أخرى جعلها عقدة لوجستية رئيسية لنقل القوات والمعدات الغربية إلى أوروبا الشرقية.

وترى القيادة البولندية أن القوات الدائمة تختلف جذرياً عن القوات الدورية أو المؤقتة. فوجود قاعدة أميركية ثابتة يعني عملياً أن أي تهديد عسكري لبولندا سيصبح تلقائياً تهديداً مباشراً للقوات الأميركية نفسها، وهو ما يعزز قوة الردع ضد روسيا بصورة كبيرة.

كما أن وارسو تدرك أن التحولات السياسية داخل واشنطن قد تؤدي مستقبلاً إلى تقليص الانتشار الأميركي في أوروبا، لذلك تسعى إلى تثبيت الوجود الأميركي عبر بنية تحتية دائمة يصعب التراجع عنها لاحقاً.

ماذا تريد واشنطن؟

بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية، تمثل بولندا نموذج الحليف المثالي داخل الناتو. فهي من أكثر الدول الأوروبية إنفاقاً على الدفاع نسبة إلى الناتج المحلي، كما أنها تشتري كميات ضخمة من الأسلحة الأميركية وتدعم الوجود العسكري الأميركي على أراضيها سياسياً وشعبياً.

لكن في المقابل، تواجه واشنطن معضلة استراتيجية. فمن جهة تريد الحفاظ على قوة الردع في مواجهة روسيا، ومن جهة أخرى تتجه بعض دوائر صنع القرار الأميركي إلى تخفيض الالتزامات العسكرية الخارجية والتركيز بصورة أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ والتنافس مع الصين.

ولهذا فإن الموافقة على قاعدة دائمة جديدة قد تكون مشروطة بتقاسم أكبر للتكاليف مع الجانب البولندي، وربما بتحويل جزء من القوات المنتشرة في ألمانيا إلى بولندا بدلاً من زيادة العدد الإجمالي للقوات الأميركية في أوروبا.

كيف سيكون الرد الروسي؟

من الناحية السياسية، من المتوقع أن تعتبر موسكو الخطوة تصعيداً مباشراً على حدودها الغربية، وأن تصفها بأنها تهديد إضافي للأمن القومي الروسي. ومن المرجح أن تعود الخطابات الروسية التقليدية التي تتهم الناتو بمواصلة التوسع شرقاً ومحاولة تطويق روسيا عسكرياً.

أما عسكرياً، فمن المتوقع أن ترد موسكو بعدة إجراءات محتملة:

  • تعزيز انتشار الصواريخ الباليستية وصواريخ "إسكندر" في منطقة كالينينغراد الواقعة بين بولندا وليتوانيا.
  • زيادة الوجود العسكري الروسي في بيلاروسيا الحليفة.
  • تكثيف المناورات العسكرية على حدود الناتو الشرقية.
  • تطوير أنظمة الردع النووي التكتيكي في الجبهة الغربية الروسية.
  • رفع مستوى الاستعداد القتالي في المنطقة العسكرية الغربية الروسية.

لكن من غير المرجح أن يؤدي إنشاء القاعدة بحد ذاته إلى مواجهة مباشرة، لأن الردع المتبادل بين روسيا والناتو لا يزال يمثل عاملاً أساسياً يمنع الانزلاق نحو صدام واسع النطاق.

ماذا عن دول الاتحاد الأوروبي؟

الموقف الأوروبي لن يكون موحداً.

دول أوروبا الشرقية

ستنظر دول البلطيق ورومانيا وفنلندا إلى الخطوة بإيجابية كبيرة، لأنها ترى في الوجود الأميركي المباشر الضمانة الأمنية الأكثر فاعلية ضد أي ضغوط روسية مستقبلية.

ألمانيا وفرنسا

أما برلين وباريس فقد تنظران إلى الأمر من زاويتين مختلفتين.

فهما لا تعارضان تعزيز أمن الجناح الشرقي للناتو، لكنهما تخشيان أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الولايات المتحدة إلى إضعاف مشروع "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" الذي تدفع فرنسا باتجاهه منذ سنوات.

كما أن نقل مزيد من القوات الأميركية من ألمانيا إلى بولندا قد يُفسَّر داخل بعض الأوساط الأوروبية على أنه إعادة توزيع لمراكز الثقل العسكري داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، لمصلحة أوروبا الشرقية على حساب أوروبا الغربية.

الأبعاد الاستراتيجية الأعمق

الحقيقة أن القضية لا تتعلق بقاعدة عسكرية فقط، بل بمستقبل النظام الأمني الأوروبي كله.

فإذا وافقت واشنطن على الطلب البولندي، فسيكون ذلك مؤشراً على أن الولايات المتحدة ما زالت تعتبر الجبهة الشرقية للناتو أولوية استراتيجية رغم حديثها المتكرر عن تقليص التزاماتها الخارجية.

أما إذا تم تأجيل المشروع أو رفضه، فقد تتسارع الدعوات الأوروبية لبناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة.

في كل الأحوال، تكشف المبادرة البولندية عن حقيقة أصبحت واضحة بعد حرب أوكرانيا: أوروبا دخلت مرحلة أمنية جديدة، عنوانها الرئيسي انتقال مركز الثقل العسكري والسياسي من الغرب الأوروبي التقليدي نحو الشرق الأوروبي المواجه مباشرة لروسيا. وفي قلب هذا التحول تقف بولندا، التي لم تعد مجرد دولة حدودية في الناتو، بل أصبحت أحد أهم اللاعبين الاستراتيجيين في القارة الأوروبية بأسرها.