
بين الإملاءات والرفض: طهران ترى في العرض الأميركي نهايةً لدورها لا للحرب.
أعلنت إيران أن المقترحات التي نقلتها الولايات المتحدة عبر وسطاء لوقف الحرب الدائرة منذ أواخر فبراير، لا يمكن التعامل معها بجدية، ووصفتها بأنها "غير منطقية إلى حد بعيد".
الموقف الإيراني، الذي عبّر عنه المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، يعكس قناعة راسخة لدى طهران بأن أي تسوية لا تتضمن ضمانات حقيقية لأمنها، تبقى مجرد مناورة سياسية. فالتجربة – بحسب الرواية الإيرانية – أثبتت أن الضمانات الدولية لا تُصمد أمام التحولات، وأن أمن الدولة يجب أن يُصان بقدراتها الذاتية لا بوعود الآخرين.
في المقابل، تتحرك باكستان لفتح نافذة دبلوماسية، مستعدة لاستضافة محادثات قد تجمع الإيرانيين والأميركيين، في محاولة لاحتواء التصعيد الذي يهدد بتوسيع رقعة الصراع إقليمياً. كما دخلت أطراف إقليمية مثل السعودية ومصر وتركيا على خط التهدئة، في إدراك واضح أن استمرار الحرب سيقود إلى فوضى تتجاوز حدود إيران.
أما المقترح الأميركي، فيحمل في جوهره تصوراً شاملاً لإعادة تشكيل الدور الإيراني: تفكيك البرنامج النووي، إنهاء التخصيب، تقليص الصواريخ، ووقف النفوذ الإقليمي عبر الحلفاء. وفي المقابل، تعرض واشنطن رفع العقوبات بالكامل، والمساعدة في برنامج نووي مدني.
لكن جوهر الخلاف لا يكمن في التفاصيل، بل في الفلسفة السياسية للمقترح نفسه. فبالنسبة لطهران، هذه الشروط لا تعني "تسوية"، بل تعني التخلي عن عناصر القوة التي بنتها خلال عقود. ولهذا جاء الرد الأولي سلبياً، مشروطاً بمطالب مضادة، أبرزها وقف الحرب على جميع الجبهات، وتعويض الخسائر، بل وحتى الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز.
عموماً:
ما يُطرح ليس اتفاقاً بقدر ما هو محاولة لإعادة تعريف إيران داخل النظام الدولي بشروط أميركية كاملة. وهذا النوع من الطروحات نادراً ما ينجح، لأنه يتجاهل حقيقة أساسية: الدول لا تفاوض على أدوات بقائها.
الولايات المتحدة تتصرف كمنتصر يفرض شروطاً، بينما إيران تتصرف كدولة ترى نفسها في معركة وجود، لا مجرد نزاع قابل للمساومة. وبين هذين المنطقين، تصبح الوساطات – مهما تعددت – مجرد إدارة للأزمة لا حلاً لها.
إذا استمر هذا التباعد، فنحن أمام مسار طويل من الاستنزاف، لا تسوية قريبة.