
بين ومضة العمر وظلّ اليقين:
في لحظةٍ يشبه فيها السكونُ نداءً خافتًا من وراء الغيب، يبدو الإنسان كأنه يُدعى إلى الإفاقة من غفلته الطويلة، لا ليُثقل ذاكرته بما مضى، بل ليكتشف أن الزمن ليس سوى تيارٍ لا يعترف بالتوقف أو الالتفات...
الحياة، حين تُرى من علٍ، لا تمنح أحدًا وعدًا ثابتًا، ولا تحفظ لأحدٍ صورةً مستقرة...
كل ما فيها يتبدل كما يتبدل الضوء على صفحة ماء، وما يظنه المرء ملكًا له ليس إلا لحظةً عابرة تستعير شكلها قبل أن تنسحب...
وفي خضم هذا التبدل، يتأرجح القلب بين شغفٍ بالجمال ورغبةٍ في الامتلاء، وكأن الإنسان خُلق ليبحث عن معنى لا يكتمل، وعن ارتواءٍ لا يأتي من ظاهر الأشياء بل من عمقها المتوارٍ. غير أن الأسئلة الكبرى لا تهدأ:
لماذا يفيض الحضور بما لا يُمسك، ولماذا يظل الداخل أكثر ضيقًا كلما اتسع الخارج؟
ثم تتكشف المفارقة:
أن القلق ليس في الحياة ذاتها، بل في انتظار ما سيأتي أو التعلق بما انقضى، بينما الحقيقة كل الحقيقة تتجلى في اللحظة التي تُعاش بلا خوف ولا وهم بالامتلاك، فالمستقبل ظلٌّ لا يُرى، والماضي صورةٌ لا تعود، أما الحاضر فهو الباب الوحيد المفتوح على معنى الوجود...
وحين يشتد الإدراك، يدرك الإنسان أنه لم يُدعَ ليحمل العالم على كتفيه، بل ليعيشه كما هو: هشًّا، عابرًا، جميلًا في هشاشته، وأن ما يثقل الروح ليس مرور الأيام، بل مقاومة انسيابها.
وفي النهاية:
يقف الوعي أمام سرٍّ لا يُقال:
أن البحث عن اليقين قد لا يكون في امتلاك الإجابة، بل في قبول الرحلة، وفي أن يظل القلب حيًّا رغم ما يعرفه من زوال.