
فنجان قهوة على حافة اللامعقول:
كنتُ أجلس يوم امس في زاوية مقهى صغير، قريب من حيث اسكن أجده مناسبا للكتابة لما أريد أن اغير الأجواء منتقلا من البيت إلى مكان اخر...
المقهى لم يميّزه شيء سوى ذلك الصمت الذي يسبق الضجيج في المدن الكبيرة. فنجان قهوتي كان يبرد ببطء، كما لو أنه يشارك العالم فتوره، وأنا أكتب من اليمين إلى اليسار، ألاحق أفكاري التي لا تأتي كاملة أبداً، كأنها تعرف أنها ستُساء قراءتها منذ البداية.
لم أنتبه في البداية إلى تلك المرأة المسنّة التي جلست على الطاولة المقابلة. كانت تراقبني بنظرة جانبية، ليست عدائية تماماً، لكنها مشبعة بذلك الاستغراب القديم الذي لا يحتاج إلى كلمات. كانت عيناها تتبعان حركة يدي على الورق، ثم تنزلان إلى السطور، ثم تعودان إلى وجهي كأنها تحاول حلّ لغز غير ضروري.
ابتسمتُ داخلياً دون أن أرفع رأسي. أعرف هذا النوع من النظرات جيداً؛ نظرات ترى في اختلاف البديهيات خطأً، وفي البساطة غرابة، وفي الكتابة من اليمين إلى اليسار شيئاً يستحق التأمل وكأنه انحراف عن الطبيعة.
كنت أريد أن أقول لها: لسنا نحن الغريبين يا سيدتي، نحن فقط نكتب كما تعلّمنا، كما تعاقبت علينا الحروف دون أن تنكسر. لكن الكلمات بقيت في مكاني، على حافة فمي، لم تخرج.
عدتُ إلى الكتابة، إلى ذلك التيار الذي لا يرحم، ووجدتُ نفسي أستعيد فكرة قديمة قرأتها يوماً لعبد الرحمن منيف، عن الإنسان حين يصبح أقل قيمة من بقايا الأشياء، عن الأرصفة التي تحفظ آثار الغائبين أكثر مما تحفظ أجسادهم، عن المدن التي تتقن ترتيب اللامعنى بدقة مخيفة.
رفعتُ عيني قليلاً، فرأيتها ما زالت تنظر. هذه المرة لم تكن النظرة عن الكتابة فقط، بل عني أنا أيضاً، كأنني جزء من سؤال لا تريد طرحه بصوت عالٍ.
وفي لحظة غريبة، شعرت أن المقهى كله يتحول إلى نافذة تطل على مكان آخر. ليس مكاناً بعيداً بالمعنى الجغرافي، بل بعيداً بالمعنى الإنساني. رأيتُ وجوهاً مرهقة، تمشي بلا هدف واضح، ورأيتُ ضحكات تأتي من جهة لا تشبه الفرح، ورأيتُ رجالاً بملامح واثقة كأن العالم صُمم لأجلهم وحدهم.
أخفضتُ بصري إلى فنجان القهوة. كان سطحها قد هدأ تماماً، كمرآة صغيرة لا تعكس شيئاً سوى الفراغ.
ثم فكرت: ربما لم تكن نظرة المرأة لي، بل كانت نظرة العالم كله، حين يحاول أن يفهم لماذا ما زال البعض يكتب، وكأن الكتابة قادرة على إنقاذ ما لم يعد قابلاً للإنقاذ.
ومع ذلك، واصلتُ الكتابة.