
حين علّمني الحنين طرق العودة إليك
في ذلك المساء، كان الهواء مختلفًا، كأنه يحمل شيئًا من بقايا صوتك القديم. كنت أمشي في شوارع أعرفها جيدًا، لكنني أراها لأول مرة بلاك. كل زاوية فيها كانت تفتح نافذة على ذكرى، وكل نافذة كانت تدفعني نحوك أكثر دون أن أقرر.
حاولت أن أقنع نفسي أن النسيان ممكن، أن القلب مثل الأبواب يمكن إغلاقه متى شئت، لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى: كلما ابتعدت عنك خطوة، وجدتني أعود إليك ألف خطوة داخل نفسي.
حتى الطرق التي لم نمرّ بها معًا، صارت تشبهك. كأن ملامحك تسربت إلى تفاصيل المدينة، إلى الأرصفة، إلى انعكاس الضوء على الزجاج، إلى الموسيقى التي لا أعرف من أين تأتي لكنها تذكرني بك دون سبب واضح.
كنت أضحك أحيانًا من سخافة القلب، كيف يصرّ على ما يؤذيه ويعتبره خلاصه. وكيف يكتب أسماء من نحبهم على كل شيء، حتى على الصمت.
وفي النهاية، لم أعد أبحث عنك في العالم… بل صرت أبحث عن العالم الذي يشبهك، وأخشى أن أجده، لأنني حينها سأدرك أنني لم أكن أبحث عنك خارجًا، بل كنت أضيع بك داخلي منذ البداية.