
حين سبقنا الفقد إلى النهاية:
لم نكن نتصور الفراق كاحتمال حقيقي، بل كنّا نؤجّله في داخلنا كما يُؤجَّل أمرٌ لا نرغب في تصديقه، ونغطيه بتسميةٍ مريحة: استحالة.
كنا نقول بثقة العاشقين الذين يطمئنهم الوهم أكثر مما تطمئنهم الحقيقة، إن النهاية لن تطرق أبوابنا إلا عبر الموت، وكأن الموت نفسه موعدٌ مؤجَّل يمكن التفاهم معه، وكأن القلوب لا تنحرف عن بعضها إلا بتلك الصورة القصوى التي نتخيلها.
لكن ما لم ننتبه له، أن الانطفاء كان يتسلل إلينا قبل أي غياب جسدي، وأن شيئًا غير مرئي بدأ ينهار في الداخل بصمت. لم يكن الأمر لحظة واحدة، بل تآكلًا بطيئًا في كل ما كان يجمعنا: ذلك الأمان الذي كنا نستند إليه دون سؤال، وتلك الشرارة الأولى التي كانت تسبق الكلام، وتلك البساطة التي كانت تجعل حضورنا لبعضنا كافيًا.
ومع الوقت، لم يعد الفقد قرارًا ولا حدثًا، بل تحول إلى حالة داخلية؛ لم نعد نبتعد لأننا توقفنا عن الحب، بل لأن القدرة على حفظ ما كان حيًا بيننا بدأت تتلاشى دون أن نعرف كيف نوقفها.
تأخر ما كنا نسميه النهاية الكبرى، لكننا كنا قد وصلنا إليها بطريقتنا الخاصة، عبر حياةٍ سبقتنا إلى الانطفاء.
وهكذا أصبحنا نمرّ في المسارات ذاتها، نحمل ذاكرة واحدة، ونشترك في الأماكن نفسها، ومع ذلك لم يعد اللقاء يحدث حتى حين تتقاطع الخطوات. كأننا أكملنا وعدنا القديم بشكل مختلف تمامًا: لم نغادر بعضنا فجأة، بل وصلنا إلى لحظة لم يعد فيها ما يبقينا معًا حيًّا، فافترقنا ونحن ما زلنا في المكان نفسه.