
حين صمتتِ… فصرتُ أحمل إليكِ نفسي بلا صوت.
في زمنٍ مضى، كنتُ أظن أن الحب يكفيه أن يُحَسّ ولا يحتاج أن يُقال. كنتُ أعيشكِ في كل تفاصيل يومي، وأحملكِ في داخلي كما يحمل المسافر زاده في طريقٍ طويل.
كل كلمةٍ في قلبي كانت تمضي نحوكِ قبل أن تخرج من فمي، وكل همسةٍ كانت تبحث عن طريقٍ إلى روحكِ دون أن تحتاج إلى إذنٍ مني. لم أكن أكتب إليكِ، كنتُ أُرسِل نفسي إليكِ كاملةً، بكل ما فيها من ضعفٍ واشتياق.
كل دمعةٍ مرّت بي كانت تحمل اسمكِ في صمتها، وكل فرحةٍ عشتها كانت تركض إليكِ قبلي، كأنها لا تكتمل إلا إذا رآها قلبكِ. كنتُ أعود إليكِ بكل شيءٍ فيّ، كأنكِ الوطن الوحيد الذي لا يُغلق بابه في وجهي مهما تأخرتُ.
لكنّكِ صمتِّ…
وصمتكِ لم يكن غياب صوتٍ فقط، بل كان اتساع مسافةٍ لم أعد أعرف كيف أعبرها. كنتِ تستقبلينني بعينين هادئتين، لا تسألان ولا تجيبان، وكأنكِ تطلبين مني أن أتعلم لغةً أخرى، لغةً لا تعتمد على الكلام، ولا تكتفي بالشعور.
ومع ذلك، لم أتوقف عن المجيء.
كنتُ أركض إليكِ بكل ما فيّ، أضع بين يديكِ ما لا يُقال، وأقف أمامكِ كمن يعترف دون أن ينطق. كنتُ أؤمن أن الصمت بيننا ليس نهاية الحكاية، بل لحظة انتظارٍ لشيءٍ أكبر لم يولد بعد.
ثم بدأتُ أفهم ببطء…
أن الحب حين لا يجد صدىً، يتحول إلى طريقٍ طويلٍ يمشيه قلبٌ واحد. ومع ذلك، بقيتُ أعود إليكِ… لأن بعض القلوب لا تتعلم المغادرة بسهولة، حتى لو تعلّمت الصمت.