
حين تصبح العدالة ترفًا لا حقًّا
في الخيال الإنساني، تبدو العدالة دائمًا في هيئة نبيلة: مستقيمة القامة، متوازنة الكفّتين، لا تنحاز لأحد ولا تخاف أحدًا. لكن الحياة اليومية تروي حكاية مختلفة؛ حكاية تجعل الناس يتساءلون: لماذا يبدو الوصول إلى الإنصاف أقصر طريقًا لمن يملك، وأطول امتحانٍ لمن لا يملك؟
ليست المشكلة أن القوانين تُكتب للفقراء والأغنياء بشكل مختلف، بل إن الطريق إلى الحقوق نفسه ليس معبّدًا للجميع بالقدر ذاته. فهناك من يدخل أبواب المؤسسات وهو محاط بالمحامين والعلاقات والوقت والقدرة على الانتظار، وهناك من يدخلها مثقلًا بحاجة عاجلة، وبجيبٍ فارغ، وبخوفٍ من أن يصبح ثمن المطالبة بحقه أعلى من قيمة الحق ذاته.
الفقر لا يسرق المال فقط، بل يسرق المساحة التي يقف فيها الإنسان مرفوع الرأس. يجعل الإنسان يحسب تكلفة كل خطوة: هل أطالب بحقي أم أحافظ على لقمة اليوم؟ هل أرفع صوتي أم أتجنب خسارة ما تبقّى؟ وهنا تبدأ المأساة الصامتة: حين لا يعود الظلم قرارًا مباشرًا، بل نتيجة طبيعية لعجز البعض عن الوصول إلى وسائل الإنصاف.
أما أصحاب النفوذ، فغالبًا لا يحتاجون إلى كسر الأبواب؛ الأبواب تُفتح لهم قبل أن يطرقوها. ليس لأنهم دائمًا على حق، بل لأن القوة تمنح أصحابها قدرة أكبر على الدفاع عن روايتهم، وعلى شراء الوقت، وعلى تحويل المعركة إلى إجراءات طويلة ينهك فيها الطرف الأضعف.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس وجود تفاوت اقتصادي، بل أن يترسخ شعورٌ بأن الكرامة والإنصاف أصبحا امتيازًا لا حقًا. عندها يفقد القانون هيبته الأخلاقية، وتتحول العدالة من قيمة عامة إلى فرصة خاصة.
العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، بل بعدد الذين استطاعوا الوصول إليها دون خوف أو إذلال أو عجز. وهي لا تكتمل عندما يُعطى كل إنسان حقه فحسب، بل عندما لا يكون ثمن المطالبة بهذا الحق أكبر من قدرة الإنسان نفسه.
عندها فقط، لا تعود العدالة وجهًا يُعجب الجميع من بعيد… بل يدًا تمتد إلى الجميع على المسافة نفسها.