--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

حين يبدأ الوعي من حدود الجهل

نُشر في ٥‏/٤‏/٢٠٢٦، ١٠:٣١:٤٩ م

19244.jpg

حين يبدأ الوعي من حدود الجهل:

“لا يمكننا أن نعرف إلا أننا لا نعرف شيئًا. وهذه هي أعلى درجات الحكمة الإنسانية.”

ليست هذه العبارة مجرد مفارقة فلسفية تُقال في لحظة تأمل عابرة، بل هي مدخل كامل لفهم علاقة الإنسان بالحقيقة، وبنفسه، وبالعالم من حوله. فكل يقينٍ بشريّ، مهما بدا صلبًا ومكتملًا، يحمل في داخله احتمال الانكسار أمام سؤال بسيط: ومن قال إننا نعرف فعلًا؟

منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه نحو السماء، وهو يحاول أن يملأ الفراغ بينه وبين المجهول. اخترع التفسير قبل أن يمتلك الأدوات، وصاغ القوانين قبل أن يكتشف استثناءاتها، وبنى أنظمة فكرية ضخمة كي يهدّئ قلقه الوجودي. لكن كل خطوة في طريق المعرفة كانت، في العمق، تكشف له شيئًا أكثر إزعاجًا: أن مساحة الجهل تتسع كلما اتسعت دائرة المعرفة.

المعرفة لا تعمل كخزان يُملأ حتى يفيض، بل كضوء يكشف حدود الغرفة أكثر مما يزيل عتمتها. وكلما ازداد الضوء، اتسعت حدود الظل. لذلك فإن أكثر العقول نضجًا ليست تلك التي تدّعي امتلاك الإجابات، بل تلك التي تتقن فنّ طرح الأسئلة دون وهم الوصول إلى نهاية الطريق.

في السياسة، في العلم، في الدين، وحتى في الحياة اليومية، يتكرر نفس الخطأ البشري: تحويل الفهم الجزئي إلى يقين مطلق. وهنا يبدأ الانحراف. فحين يعتقد الإنسان أنه “يعرف”، يتوقف عن البحث، ويتحول من كائنٍ يسائل إلى كائنٍ يبرر. ومن لحظة التبرير تبدأ الأخطاء الكبرى، لأن الواقع لا يتوقف عن التغير احترامًا لليقين البشري.

الاعتراف بالجهل ليس ضعفًا، بل هو الشكل الأكثر تطورًا من الشجاعة الفكرية. لأنه يعني أن الإنسان يقف أمام الكون بلا دروع وهمية، ويقبل أن يكون جزءًا صغيرًا في منظومة لا نهائية من الاحتمالات. هذه اللحظة وحدها هي التي تسمح ببدء معرفة حقيقية، معرفة لا تقوم على الادعاء بل على التواضع أمام التعقيد.

ولعل المفارقة الأعمق أن الإنسان كلما تقدم في العلم، ازداد شعوره بأنه لا يعرف. فالعالِم الحقيقي لا ينتهي إلى يقين نهائي، بل إلى اتساع أكبر في دائرة التساؤل. وكأن المعرفة ليست طريقًا إلى الامتلاء، بل رحلة منظمة نحو إدراك الفراغ.

إن الحكمة التي تشير إليها العبارة ليست في “معرفة أننا لا نعرف” فقط، بل في العيش وفق هذا الإدراك. أي أن نبني مواقفنا، وأحكامنا، وقراراتنا على أساس أن ما نجهله أكبر بكثير مما نعرفه. هنا فقط يصبح العقل أقل عنفًا، وأكثر عدلًا، وأقرب إلى الحقيقة.

في النهاية، ليست المشكلة أن الإنسان لا يعرف، بل أن ينسى أنه لا يعرف. فحين ينسى ذلك، يبدأ في اختراع أوهام اليقين، ويغلق الباب أمام الاحتمال، وينسى أن أعظم ما يمكن أن يملكه العقل هو أن يبقى مفتوحًا.