
حين يبتلع الغروب ملامح الروح
كأن الغروب ليس مجرد انطفاء ضوءٍ في الأفق، بل بابٌ يفتح على داخلٍ أكثر قسوة من الليل نفسه. هناك، حيث يتراجع النهار خجلاً، يجد المرء نفسه وحيداً أمام صدى قلبه، بلا سندٍ سوى صمتٍ ثقيل يزداد اتساعاً كلما حاول الاقتراب منه.
تتراكم الذكريات كأنها ظلال لا تعرف الرحيل، تلاحق صاحبها حتى وهو يظن أنه ابتعد. كل محاولة للهروب تبدو وكأنها تقرّبه أكثر من الألم، وكل إغلاقٍ لما في الداخل لا يزيده إلا تسرباً من أماكن لا تُرى. حتى اللغة، التي كانت يوماً نافذة للنجاة، تصبح عاجزة، متكسّرة بين ما يُشعر به وما لا يُقال.
وفي طرقٍ كان يظنها يوماً بداية خلاص، يكتشف أنها تعيد تشكيل الجرح في كل مرة، وكأن الخطوات لا تقوده إلى الأمام بل تعيده إلى ذات النقطة التي بدأ منها. يتبدل الوجع إلى رفيق ثقيل، لا يمكن فصله ولا احتماله، يرافقه في يقظته ويزاحمه في صمته، حتى يغدو جزءاً من تفاصيله اليومية.
وحين يشتد الليل، لا يعود الصمت ملاذاً بل مرآةً قاسية، تعكس ما كان يحاول إخفاءه عن نفسه. فلا يبقى أمامه إلا الانسحاب إلى الداخل أكثر، حيث لا ضجيج سوى نبضٍ متعب، ولا ضوء سوى بقايا شعورٍ يرفض أن ينطفئ تماماً، رغم كل شيء.